news-details
مقالات

الإتقان ضرورة إنسانية وفريضة شرعية

 


بقلم / محمـــد الدكـــروري
اعلموا أن الإتقان ضرورة إنسانية وفريضة شرعية، وقد أكد رسول الله صلي الله عليه وسلم على أن الإتقان في العمل وهو أمر يحبه الله تعالى فقال " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه " وإن هذا الحديث العظيم يضع لنا قاعدة شاملة في حياتنا كلها، فلا يقتصر على عبادة دون أخرى، ولا على عمل دون غيره، بل يشمل الدين والدنيا، العبادة والمعاملة، الخلق والسلوك، فلا يكن هم أحدكم في كثرة العمل، ولكن ليكن همّه في إحكامه وتحسينه، فإن العبد قد يصلي وهو يعصي الله في صلاته، وقد يصوم وهو يعصي الله في صيامه، وعلى ذلك فالإتقان هو أداء العمل على أكمل وجه، مع إحكامه، وإخلاص النية فيه، فليس الإتقان مجرد إنهاء العمل، بل هو إحسانه، وتجويده، والحرص على أن يكون في أفضل صورة، فعلى المرؤوس أن يحكم عمله بإخلاص وصدق وإتقان. 




قاصدا بذلك النفع للمسلمين، ميسرا لهم، باذلا لهم العون في حدود نظام العمل، ذلك أن الإتقان يعكس صدق الإيمان، ويجسّد مراقبة الله تعالى في السر والعلن، وبه تتحقق الأمانة، ويؤدى الحق إلى أهله دون تقصير أو تهاون، والمجتمعات المتقنة في أعمالها هي الأقدر على المنافسة والريادة، كما أن الإهمال والتسيب من أسباب التخلف وضعف الإنتاج، لذلك كان الإتقان واجبا دينيا وضرورة إنسانية لا غنى عنها في كل زمان ومكان، وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم " إن الله كتب الإحسان علي كل شيء " رواه مسلم، أي أوجب وقدر على الإنسان، أي إيقاعه على مقتضى الشرع، والإحسان يطلق على الإنعام، وعلى إتقان الفعل، أو طلب ذلك منه، واعلم أن الإحسان لبّ الإيمان والإسلام، بل خلاصتهما، وليس شعبة من شعب الإيمان أو ركن من أركان الإسلام إلا وقرن به إحسان لائق به بدليل قوله صلى الله عليه وسلم. 




" إن الله كتب ‌الإحسان ‌على ‌كل شيء" وهذا الحديث يدل على وجوب الإحسان في كل شيء من الأعمال، لكن إحسان كل شيء بحسبه، وقد أشار القرآن في محكم آياته إلى إحكام الصنعة وإتقان العمل في غير موضع، وقد قال ذلك الله تعالى على لسان ذي القرنين، وهو يضع أسس هذا البناء المحكم الذي قام به وهو بناء السد، وهو سد يأجوج ومأجوج، فإن ذا القرنين بناه من الحديد والنحاس، وساوى به الجبال الصم الشامخات الطوال، فلا يعرف على وجه الأرض ‌بناء ‌أجل ‌منه، ولا أنفع للخلق منه في أمر دنياهم، كما أشار إلى ذلك في قوله على لسان سليمان عليه السلام " قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها " وذلك أن نبي الله سليمان عليه السلام ‌أمر ‌الشياطين ‌فبنوا ‌لها ‌قصرا ‌عظيما من قوارير، أي من زجاج، وأجرى تحته الماء. 




فالذي لا يعرف أمره يحسب أنه ماء، ولكن الزجاج يحول بين الماشي وبينه، وقال محمد بن إسحاق، عن "يزيد بن رومان ثم قال لها ادخلي الصرح ليريها ملكا هو أعز من ملكها وسلطانا هو أعظم من سلطانا، فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها، لا تشك أنه ماء تخوضه، فقيل لها إنه صرح ممرد من قوارير، فلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة الله وحده، وعاتبها في عبادة الشمس من دون الله تعالى، وتأمل قمة الإتقان الذي شيد به سليمان عليه السلام قصر بلقيس، فلما عاينت، علمت أنه نبي، فرجعت إلى رشدها، وغيره مما قصه علينا القرآن الكريم مما يثير في المسلم حماسة الإتقان في العمل بما يسمح للمنتج الوطني بغزو الأسواق، ورواج الصناعة على أكمل وجه، وفي قصة نبي الله داود عليه السلام " وقدر في السرد " والتقدير هنا بمعنى الإحكام والإجادة. 




وحسن التفكير في عمل الشيء، والسرد هو نسج الدروع وتهيئتها لوظيفتها، وقيل أي النسج بأن يكون كل حلقة مساوية لأختها مع كونها ضيقة لئلا ينفذ منها سهم، ولتكن في تحتها بحيث لا يقلعها سيف، ولا تثقل على الدارع، فتمنعه خفة التصرف، وسرعة الانتقال في الكر والفر، والطعن والضرب، في البرد والحر، فالإمداد الإلهي ينزل على العامل بحسب عمله، فكل من كان عمله أتقن وأكمل فالحسنات تضاعف أكثر، وإذا أكثر العبد أحبه الله تعالى.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا