الإتقان غاية سامية يقصدها الشرع
بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد أولت الشريعة الإسلامية قضية العمل عناية كبرى، وكيف لا، وفي إتقانه تبنى الحضارات، وترتقي الأمم، وتصان الكرامات؟ بل كيف يجتمع إيمان صادق مع إنسان لا يحسن العمل ولا يجيد ما وكل إليه؟ فبقدر ما يكون الإيمان راسخا في قلب المؤمن، بقدر ما يتجلى أثره في إتقان صنعته، وحسن أدائه، والقيام بأعباء وظيفته على أكمل وجه إذ الإيمان الحق منهج تربية يدعو المؤمن إلى إتقان ما يناط به، فالإيمان يعلم الإتقان سواء في العبادة أو في غيرها وقد جاء الإسلام بمنهج قويم يؤكد من خلاله أن الإتقان غاية سامية يقصدها الشرع الشريف من وراء الأوامر والنواهي لينطلق المؤمن، وقد تشرب هذا المعنى، إلى القيام بما أناطه الله به من أعمال، تعود على الإنسانية بالنفع والخير، وتشيّد صروح العمران على أساس من الإخلاص والإحسان، ففي القرآن الكريم يقول الله تعالى.
" ليبلوكم أيكم أحسن عملا " ولم يقل أكثر عملا، بل أحسن عملا، فكأنه يلفت أنظارنا إلى قضية الإتقان وليس الكم، ويغرس فينا النبي صلى الله عليه وسلم خلقا جليلا، هو المصاحب للمؤمن في سيره إلى مولاه جل جلاله، ألا وهو المراقبة، فإستشعار المؤمن بأن الله يراه، وإستحضاره لهذا المعنى كفيل بأن يعينه على إحسان العبادة وإتقان العمل، ويحذر النبي صلى الله عليه وسلم من حال من لم يتحقق بمعاني الإيمان، فلم يحسن القيام بما أمر به، فكأنه أشار إلى أن عدم إحسانه في أجلّ الأمور سينتج عنه لا محالة عدم إحسان في سائر أموره، فالإتقان أساس انتظام الكون، والإتقان منهج حياة وسنة كون به تنتظم الأمور، وتستقيم الأحوال، وتبلغ الأعمال غاياتها في الكمال، فهو الميزان الذي توزن به قيمة الإنسان، والمعيار الذي تقاس به حضارة الأمم إذ لا قيام لعمران.
ولا ازدهار لحضارة، إلا إذا قامت على أكتاف أناس يحسنون ما يعملون، ويؤدّون ما أُسند إليهم بإخلاص وإحكام، ومن يتأمّل هذا الوجود يدرك أن الإتقان هو سر إنتظامه وجماله، فهو نظام دقيق، وتناسق بديع، يشهد بأن الإتقان هو الأصل الذي تقوم عليه الحياة، ومن هنا كان لزاما على الإنسان أن يجعل الإتقان سبيله في كل شأن في عبادته وعمله ومعاملاته ليكون عنصر بناء لا معول هدم، ونبع خير لا مصدر ضر، حيث قال تعالى " والله يحب المحسنين " والمعنى هو أن الله يرضى عن المحسنين جميعا، ويجازيهم على إحسانهم أحسن الجزاء، والإحسان يشمل إتقان العمل، والإتيان به على الوجه الأكمل" وأن هذا النظام مما اقتضته رحمة الله تعالي بالناس لتجري أمورهم على حالة تلائم نظام عيشهم لأنه لو كان فيما خلق الله تفاوت لكان ذلك التفاوت سببا لإختلال النظام.
فيتعرض الناس بذلك لأهوال ومشاق، فسبحانه الذي خلق سبع سماوات بعضها فوق بعض، مع تناسقها، وإتقان تكوينها، وإحكام صنعها بحيث لا ترى أيها العاقل في خلق السموات السبع شيئا من الاختلاف، أو الاضطراب، أو عدم التناسب، بل كلها محكمة، جارية على مقتضى نهاية النظام والإبداع، فإن كنت لا تصدق ما أخبرناك به، أو في أدنى شك من ذلك، فكرر النظر فيما خلقنا حتى يتضح لك الأمر، ولا يبقى عندك أدنى شك أو شبهة، ثم لا تكتفي بإعادة النظر مرة واحدة، فربما يكون قد فاتك شيء في النظرة الأولى والثانية، بل أعد النظر مرات ومرات فتكون النتيجة التي لا مفر لك منها، أن بصرك بعد طول النظر والتأمل ينقلب إليك خائبا وهو كليل متعب لأنه بعد هذا النظر الكثير لم يجد في خلقنا شيئا من الخلل أو الوهن أو التفاوت.
التعليقات الأخيرة