news-details
مقالات

حضارات الأمم تبنى بعقول المتقنين وسواعدهم

 

 
بقلم / محمـــد الدكـــروري
على الصانع أن يعمل بما علمه الله تعالى عمل إتقان وإحسان بقصد نفع خلق الله الذي استعمله في ذلك، ولا يعمل على نية أنه إن لم يعمل ضاع، ولا على مقدار الأجرة، بل على حسب إتقان ما تقتضيه الصنعة، وقال الله تعالي " هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور " وقوله تعالى " في مناكبها " قال الماوردي فيه أوجه أحدها في جبالها، والثاني في أطرفاها وفجاجها، والثالث في طرفها، الرابع في منابت زرعها، وأشجارها، فالآية الكريمة دعوة حارة للمسلمين لكي ينتفعوا بما في الأرض من كنوز، حتى يستغنوا عن غيرهم في مطعمهم، ومشربهم، وملبسهم، وسائر أمور معاشهم، فإنه بقدر تقصيرهم في إستخراج كنوزها، تكون حاجتهم لغيرهم، فعليهم أن يحتلوا مكانهم، ويحافظوا على مكانتهم، ويشيدوا كيانهم بالدين والدنيا معا. 




واعلموا أن حضارات الأمم تبنى بعقول المتقنين وسواعدهم، وهناك ‌ثلاثة ‌من ‌أعلام ‌الخير في التاجر، وهم ترك الذم إذا اشترى، والمدح إذا باع خوفا من الكذب، وبذل النصيحة للمسلمين حذرا من الخيانة، والوفاء في الوزن إشفاقا من التطفيف، وثلاثة من أعلام الخير في المكاسب، حفظ اللسان، وصدق الوعد، وإحكام العمل، واعلموا أن إحتراف المهن باب رزق ومغفرة ذنوب، فكان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول ما من موضع يأتيني الموت فيه أحبّ إلىّ من موطن أتسوّق فيه لأهلي أبيع وأشتري" وكما قال عمر رضي الله عنه "من اتّجر في شيء ثلاث مرات فلم يصب فيه شيئا، فليتحول إلى غيره" وكما قال عمر " تعلموا المهنة ‌فإنه ‌يوشك ‌أن ‌يحتاج ‌أحدكم ‌إلى ‌مهنة" وهكذا حث الإسلام على إتخاذ المهنة للكسب مهما كانت دنيئة فهي خير من المسألة. 



وعليكم أن تعلموا أن حسن التوكل على الله من الإتقان، حيث قال تعالى " ومن يتوكل على الله فهو حسبه " وقال الإمام البقاعي "وحرف الاستعلاء "على" للإشارة إلى أنه قد حمل أموره كلها عليه سبحانه لأنه القوي الذي لا يعصيه شيء، والكريم الذي يحسن حمل ذلك ورعيه، والعزيز الذي يدفع عنه كل ضار، ويجلب له كل سار إلى غير ذلك من المعاني الكبار، فمن توكل إستفاد الأجر، وخفف عنه الألم، وقذف في قلبه السكينة، ومن لم يتوكل، لم ينفعه ذلك، وزاد ألمه، وطال غمه بشدة سعيه، وخيبة أسبابه التي يعتقد أنها هي المنجحة، واعلموا أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، ولكن تمطر ماء يشق الأرض، فيجني الإنسان ثمارها، ويعف نفسه، وينفع مجتمعه لذا عليه أن يأخذ بالأسباب، وقد أمر الله تعالى السيدة مريم عليها السلام بهز الجذع اليابس الذي لا رأس لها ولا ثمر مع قدرته سبحانه على إنزال الرطب إليها من غير هز أو تحريك. 




فقال تعالى " وهزي إليكي بجزع النخلة تساقط عليكي رطبا جنيا " وقيل إن تحريك الأسباب الشرعية لا ينافي التوكل، لقوله تعالى " وهزي إليكي " لكن إذا كانت خفيفة مصحوبة بإقامة الدين غير معتمد عليها بقلبه، فإن كان متجردا فلا يرجع إليها حتى يكمل يقينه، ويتمكن في معرفة الحق تعالى، وقد كانت في بدايتها تأتي إليها الأرزاق بغير سبب كما في سورة آل عمران، وفي نهايتها قال لها" وهزي إليكي " فقيل كانت في بدايتها متعرفا إليها بخرق العادات، وسقوط الأسباب، فلما تكمل يقينها رجعت إلى الأسباب، والحالة الثانية أتم من الحالة الأولى، واعلموا أن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عمله وأتقنه، فإتقان العمل أمانة، فعملك أمانة ستسأل عنها يوم القيامة وإهمال العامل في عمله يعد خيانة للأمانة لأنه مؤتمن على العمل الذي وُكل إليه، وكُلف به حيث لم يؤديه على الوجه المطلوب مع تقاضيه أجرا عليه.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا