news-details
مقالات

بين سياط "الساحات" وقيد "التبعية": هل نحن أحرارٌ أم عبيدٌ مُقنّعون؟

بقلم/ عدنان صگر الخليفه 

أثبتت الأيام الثلاثون الماضية من عمر هذه الحرب المستعرة، أن الشعوب في منطقتنا -وتحديداً في العراق ولبنان- لا تزال تعيش مأساة "ارتهان المصير". فبينما كانت رحى الحرب تدور فوق رؤوس الأبرياء، وبينما كانت القرى تُباد والنازحون يفرون بجلودهم من جحيم القصف، تجلت حقيقةٌ سياسيةٌ مُرّة؛ وهي أن شعار "وحدة الساحات" الذي قُدِّس في وقت القتال، سرعان ما تشظى إلى "تفرّق المصالح" عند عتبات التفاوض.
إن التساؤل الجوهري الذي يطرح نفسه اليوم على المواطن العراقي واللبناني، الذي وجد نفسه وقوداً لمعركة لم يُستشر في بدئها ولم يُسأل عن شروط توقفها، هو: أين تلك السيادة التي يتغنى بها الساسة؟ وكيف تحول "المصير المشترك" إلى "موتٍ مشترك" و"نجاةٍ منفردة"؟
لقد رأينا "المركز" يُؤمّن حدوده ومصالحه باتفاقات دولية، بينما بقيت "الأطراف" في لبنان والعراق تواجه آلة الحرب وحدها، وكأن هذه البلاد ليست سوى ساحات بديلة لتصفية الحسابات. وهنا يبرز النموذج اللبناني كتحذيرٍ وجودي للعراق؛ فهل ستعود الأرض التي احتُلت؟ وهل سيُجبر كسر النازحين الذين أُحرقت قراهم؟ أم أننا سنقف أمام "جولانٍ جديدة" تُقضم فيها الأرض وتُنسى فيها الحقوق تحت ذريعة الصمت الاستراتيجي؟
ولكي نفهم جوهر الأزمة، علينا أن نستحضر درساً بليغاً من تاريخنا العربي والإسلامي؛ ففي حوارٍ يختصر فلسفة الوجود، سأل الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) جاريةَ أحد الوجهاء في بغداد: "أصاحبُ الدار حرٌّ أم عبد؟"، فأجابت بزهو: "بل هو حر". فقال الإمام قولته الخالدة: "صدقتِ، لو كان عبداً لاستحيا من ربه".
إن هذه الكلمات ليست مجرد وعظٍ ديني، بل هي أعلى درجات الفلسفة السياسية السيادية. إننا اليوم نسأل أولئك السياسيين الذين يتربعون في قمة "الحرية" الزائفة، ويمارسون سلطتهم كأحرارٍ من أي رقابة وطنية: هل حريتكم هذه حقيقية؟ أم هي عبوديةٌ مقنعةٌ بثوب الحرية؟
إن الحرية التي يمارسها من يسوق بلاده نحو الدمار إرضاءً لإملاءات أو أوامر عابرة للحدود، هي العبودية بحد ذاتها. فمن يتخذ من الخارج "رباً" يقرر له متى يقاتل ومتى يسالم، هو عبدٌ مرتهنٌ وإن لبس أفخر الثياب. إن الحر الحقيقي -بمنظور الكاظم والمنظور الوطني- هو من لا يخشى إلا الله في شعبه، وهو من يجعل "الأمانة" في حماية الأنفس والأعراض والأرض فوق كل صفقة إقليمية.
لقد انصاع الكثيرون لقوانين وضعوها لأنفسهم ليكونوا "أتباعاً"، وتركوا قانون الله الذي جعلهم أحراراً ليكونوا حراساً على أوطانهم. واليوم، والاحتلال ينهش أجزاءً من لبنان، والانتهاكات تستبيح سماء العراق، لا نجد في الساسة "بشر الحافي" الذي يركض خلف الحق نادماً، بل نجد إصراراً على تسويق "الهزيمة" بوصفها "نصراً"، و"التبعية" بوصفها "قراراً سيادياً".
إن هذا الخطاب موجهٌ للشعوب أولاً؛ للشعوب التي تفرق بين "إرادة الحياة" وبين "ذل العبودية". العبرة من لبنان واضحة: الأرض التي لا تحميها دولتها بقرار وطني خالص، تصبح "ورقة مقايضة" في يد الحليف، و"لقمة سائغة" في فم العدو. فهل سيأخذ العراقيون العبرة قبل أن يستنسخ الاحتلال في أرضهم النموذج السوري أو اللبناني؟
إن استعادة القرار الوطني العراقي والعربي ليس خياراً سياسياً فحسب، بل هو واجبٌ أخلاقي وشرعي. فمن كان عبداً لله حقاً، استحيى أن يرى بلاده تُباع في سوق الصفقات وهو يتفرج. إنها لحظة المكاشفة: فإما وطنٌ حرٌّ بأبنائه، أو عبوديةٌ أبديةٌ تحت مسميات "الساحات" التي لا توحدنا إلا في الجراح، وتتركنا فرادى عند اقتسام مغانم النجاة.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا