news-details
مقالات

ثلاثة منتصرين وخاسر واحد حين تعاد صياغة خرائط النفوذ في الشرق الأوسط 

بقلم. أزهار عبد الكريم 

لم تعد الحروب الحديثة تقاس فقط بعدد الضربات أو حجم الدمار بل بما تفرزه من معادلات نفوذ جديدة. وفي ختام الجولة الأخيرة من التصعيد الإقليمي
فى مشهد يبدو للوهلة الأولى متناقضاً وغير تقليدي تخرج علينا كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وإسرائيل من أتون الحرب الأخيرة وهى تعلن بطرق مختلفة أنها حققت أهدافها الاستراتيجية رغم الخسائر والتدمير الذي طال الجميع وبين هذا وذاك تقف دول الخليج العربي فى موقع أقرب إلى الخاسر الأكبر سياسياً واقتصادياً وأمنياً .

 الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وإسرائيل ثلاث قوى تعلن بدرجات متفاوتة . انتصارها بينما تقف دول الخليج العربي أمام واقع أكثر تعقيداً وخسارة.
إيران… من الصمود إلى التحكم في شريان الطاقة العالمي
ربما يكون التحول الأبرز في هذه الحرب هو ما حققته إيران على مستوى الجغرافيا السياسية. فقد استطاعت عبر مزيج من الضغط العسكري والتموضع الاستراتيجي أن تفرض واقعا جديداً في مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وفق هذا الواقع عززت طهران حضورها العسكري والرقابي في المضيق ونجحت بصورة غير مباشرة في فرض ترتيبات جديدة تتضمن
رقابة مشددة على حركة الملاحة
فرض رسوم عبور تحت مبررات تأمين الممر
تحويل المضيق إلى ورقة ضغط اقتصادية وسياسية
هذا التطور منح إيران مصدر دخل إضافي وأداة تأثير مباشرة على أسواق الطاقة العالمية ما يمثل مكسباً استراتيجياً يتجاوز نتائج المعركة العسكرية نفسها.

إسرائيل… توسيع نطاق التأثير داخل لبنان
على الجبهة الشمالية سعت إسرائيل إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك مع القوى المسلحة في لبنان. ونتيجة للعمليات العسكرية المكثفة تمكنت من
توسيع نطاق تحركاتها العسكرية داخل الجنوب اللبناني
إنشاء مناطق عازلة غير معلنة
تقليص قدرات خصومها القتالية على الحدود
هذا التوسع وإن لم يعلن رسمياً كاحتلال إلا أنه يعكس تحولًا في الاستراتيجية الإسرائيلية نحو فرض واقع أمني جديد داخل الأراضي اللبنانية يضمن لها عمقاً دفاعياً أكبر.


الولايات المتحدة… شراكة النفوذ وتقاسم المكاسب
أما الولايات المتحدة فقد اختارت مرة أخرى إدارة الصراع من الخلف فبدلاً من الانخراط المباشر عملت على
تثبيت التوازن بين القوى المتصارعة هذا النهج مكنها من إعادة فرض حضورها كضامن رئيسي للأمن فى المنطقة 
تعزيز مبيعات السلاح لحلفائها 
توجيه رسائل قوية لخصومها دون تكبد كلفة بشرية كبيرة على الرغم من تعرض بعض قواعدها ومصالحها لهجمات محدودة فإن واشنطن خرجت وهي تعيد تثبيت معادلة القيادة من بعيد . بنجاح نسبي 
 كذلك رعاية تفاهمات ما بعد الحرب
تأمين مصالحها في الطاقة والتجارة
وفي إطار الترتيبات غير المعلنة برزت صيغة تعاون غير تقليدية بين واشنطن وطهران تقوم على
ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز
مشاركة غير مباشرة في العوائد الاقتصادية المرتبطة بحركة العبور
تنسيق أمني يحد من الانفجار العسكري مجدداً
هذه المقاربة تعكس تحولًا من المواجهة إلى إدارة المصالح حيث تتقاطع الضرورات الاقتصادية مع الحسابات السياسية.

الخليج العربي… الخسارة الصامتة
في خضم هذه التحولات تبدو دول الخليج العربي الطرف الأكثر تأثراً  رغم بقائها خارج ساحة القتال المباشر. فقد وجدت نفسها أمام
تراجع نسبي في السيطرة على سوق الطاقة
زيادة الاعتماد على ترتيبات أمنية خارجية
تحمل أعباء اقتصادية نتيجة التوتر في الملاحة والتجارة
كما أن فرض رسوم على المرور في مضيق هرمز يضيف عبئاً  جديداً على صادراتها النفطية ما يعمق من التحديات الاقتصادية.

فهى انتصارات تعيد تشكيل المنطقة
هكذا تكشف الحرب عن معادلة جديدة انتصارات متعددة الأوجه وخسارة مركزة. فبينما عززت إيران نفوذها البحري ووسعت إسرائيل نطاقها الأمني وأدارت الولايات المتحدة شبكة المصالح يبقى الخليج العربي أمام اختبار صعب لإعادة التوازن في بيئة إقليمية تتغير بسرعة.
إنها ليست نهاية صراع بل بداية مرحلة ترسم فيها خرائط النفوذ بأدوات أكثر تعقيداً… وأقل وضوحاً.
تكشف هذه الحرب عن حقيقة معقدة فى الصراعات الحديثة قد يخرج أكثر من طرف وهو يدعي الانتصار،  لكن الثمن يدفع فى أماكن أخري. 
 ويبقى السؤال مفتوحاً حول مستقبل الاستقرار في المنطقة وحول قدرة الدول الأقل انخراطاً فى الصراع على تجنب كلفه حروب لا تصنعها لكنها تعيش تداعياتها.

فهل نستيقظ بعد انتهاء الحرب لنجد أنه كان اتفاقاً مسبقاً بين الثلاثة ؟

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا