news-details
مقالات

سلطة السيف ووهْم الصناديق: مسارات الخلاص من مكيافيلي إلى أزمة الدولة الحديثة

 


بقلم/ الكاتب والباحث في الشأن السياسي والإجتماعي 
الشيخ عدنان صگر الخليفه 
رئيس إتحاد القبائل العراقية 

إن تأمل واقعنا السياسي والفكري يستدعي الوقوف عند جذور الاستبداد الإمبراطوري الذي تشكل منذ أن تحولت السلطة في تاريخنا السياسي إلى مُلكٍ عضوض يُنتزع بالسيف والغلبة وإراقة الدماء. لقد بدأ هذا المخاض الفكري عبر تفكيك ثنائية الأخلاق والسياسة كما صاغها مكيافيلي وفضحها شكسبير في مسارح السلطة المطلقة، لنكتشف أن التاريخ البشري، متى تجرد من القيم والعقد الاجتماعي، يتحول إلى غابة يحكمها القوي على حساب المقهور. وقد رافق هذا الصعود الدموي تواطؤ خطير من منظومة دينية وكهنوتية سخرت لقرون لترسيخ ثقافة الطاعة العمياء لولي الأمر، ومنح الحاكم تفويضاً مطلقاً باعتباره لا يُسأل عما يفعل، مما أدى إلى تغييب الوعي وتجهيل المجتمعات، وتحويل الإنسان من شريك في صنع القرار إلى رعية تُساق كالقطيع.
هذا الإرث الثقيل اصطدم بالجوهر الإلهي والفطري للحرية؛ فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مخيراً بين الهدى والضلال بدليل العقل والجنة والنار، ولم يفرض الإكراه في العقيدة، فمن باب أولى ألا يقبل العقل البشري تسلط مستبد يسلب الإنسان إرادته. ولعل المفارقة المؤلمة تكمن في أن أمتنا التي كانت تاريخياً منارة للعلوم وحاضنة لعلماء شتى الاختصاصات وأولى الدول الحضارية المتعلمة، قد تقوقست وتراجعت بفعل هذا الإرث التجهيلي الممنهج، بينما اتجهت الدول الكبرى في العالم المتقدم نحو تلافي هذه الأخطاء التاريخية؛ فقد بنت تلك الدول كياناتها الحديثة على أساس سيادة القانون، واحترام كرامة المواطن، والتعاقد الاجتماعي الرصين، متجاوزةً عهود الاستبداد والدم.
غير أن هذا الانحراف التاريخي يتجلى بأقسى صوره المأساوية في واقعنا الراهن، وخاصة في العراق، حيث تحولت العملية السياسية وصناديق الاقتراع المزعومة إلى واجهات زائفة تخفي خلفها تسويات سرية لا تتيح للمواطن اختيار ممثليه بصدق. إن صناديق الاقتراع أُفرغت تماماً من مضمونها الديمقراطي الحقيقي؛ إذ يفوز من لا يحكم، ويحكم من لم ينتخبه الشعب أصلاً. لقد أُعطلت قاعدة تداول السلطة السلمية التي تقتضي بوضوح أن الفائز بالانتخابات يدير الدولة لشؤون المجتمع، بينما يذهب الخاسر ليمارس المعارضة البناءة أو يتنحى. واستُبدلت هذه القاعدة بصفقات المحاصصة المقيتة التي تخدم طبقة سياسية ترفع شعارات الحرية زيفاً لتحقيق مكاسب فئوية شخصية على حساب الوطن والمواطن، خالية من أي برامج حقيقية لإدارة المؤسسات.
إن الخروج من هذه الهاوية المظلمة ومراوحة الخطيئة والتخلف يتطلب وعياً جذرياً يقوم على خمسة محاور أساسية متكاملة: أولها تفكيك ثنائية الأخلاق والسياسة وفضح الطبيعة الطاغية للحكم المطلق. وثانيها تحييد الذاكرة التاريخية للإمبراطوريات الدموية وإخراجها من دائرة التقديس والتعبئة. وثالثها إسقاط الكهنوت السياسي وثقافة الطاعة العمياء ورفض تفويض المستبد. ورابعها استعادة الحرية كأصل إلهي وصياغة عقد اجتماعي ودستور حقيقي يجعل الحاكم أجيراً عاماً ومسؤولاً تنفيذياً تحت سقفه. وخامسها تصفية الشعارات الانتخابية الزائفة لصالح برامج مؤسسية دقيقة وأدوات تغيير سلمية تضمن تعديلاً جذرياً وحاسماً للدستور والقوانين الانتخابية. وحين نزن النخب بميزان البرامج والآليات المؤسسية الواضحة، فإننا نؤسس بحق لجمهورية المواطنة التي تحترم كرامة الإنسان وتصون سيادة القانون، وتحقق العدالة المنشودة التي تضمن تفوق الدولة ونهضتها عبر آليات سلمية تكفل مستقبلاً مشرقاً وعادلاً وآمناً بعيداً عن أقبية الصراعات.

8 تشرين الثاني 2026

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا