news-details
منوعات

حين تكتب الأقمشة سيرة أصحابها بقلم/ميرنا حسن

الموضة ليست مجرد ملابس نرتديها ثم نغادر بها إلى أعمالنا ومناسباتنا اليومية وليست مجرد ألوان تتغير مع الفصول أو تصميمات تتبدل مع مرور الوقت بل هي سجل صامت يدوّن الكثير من تفاصيل حياتنا دون أن نشعر فكل قطعة نختارها تحمل جزءا من شخصيتنا وكل لون نفضله يكشف شيئا من ذوقنا وكل أسلوب نعتمده يروي فصلا من فصول الحكاية التي نعيشها
منذ القدم والإنسان يبحث عن وسيلة يعبر بها عن نفسه وكانت الملابس واحدة من أقدم هذه الوسائل لأنها لم تكن يوما مجرد حاجة عملية بل كانت دائما انعكاسا للمكانة والهوية والثقافة وحتى الأحلام ولهذا تحولت الموضة عبر الزمن إلى لغة عالمية يفهمها الجميع رغم اختلاف اللغات والحدود
وفي كل صباح حين يقف الإنسان أمام خزانته لا يختار مجرد ما سيرتديه بل يختار كيف سيظهر للعالم في ذلك اليوم يختار الصورة التي يشعر أنها الأقرب إلى حالته ومزاجه وطموحه ولهذا فإن الموضة ليست قرارا سطحيا كما يعتقد البعض بل قرار يحمل في داخله الكثير من التفاصيل النفسية والشخصية
المرأة تدرك هذه الحقيقة أكثر من غيرها فهي تعرف أن قطعة واحدة يمكن أن تغير إحساسها بالكامل وأن لونا معينا قد يمنحها طاقة مختلفة وأن فستانا بسيطا قد يجعلها تشعر بثقة أكبر من أي قطعة باهظة الثمن لأن السر الحقيقي لا يكمن في قيمة الملابس بل في الشعور الذي تمنحه لمن يرتديها
والرجل أيضا أصبح أكثر اهتماما بتفاصيل الأناقة لأنه أدرك أن الملابس ليست مجرد مظهر خارجي بل جزء من الحضور الشخصي وأن الطريقة التي يرتب بها مظهره تعكس الكثير من اهتمامه بنفسه ومن احترامه للآخرين ومن ثقته في خطواته
وما يميز الموضة أنها لا تتوقف عند حدود العمر فلكل مرحلة جمالها ولكل عمر أسلوبه الخاص فالطفل يعبر عن براءته بالألوان المبهجة والشاب يعبر عن طاقته بالحيوية والجرأة بينما يختار الناضجون ما يعكس خبراتهم وهدوءهم وثقتهم المتراكمة مع السنوات
ومع تطور الحياة أصبحت الموضة أكثر تنوعا من أي وقت مضى فلم يعد هناك شكل واحد للجمال ولا أسلوب واحد للأناقة بل أصبح لكل شخص الحق في أن يصنع بصمته الخاصة وأن يختار ما يناسبه دون أن يكون أسيرا لقواعد جامدة أو أفكار قديمة
لكن وسط هذا التنوع الكبير يبقى العامل الأهم هو الصدق لأن أجمل إطلالة ليست تلك التي تتبع أحدث الصيحات بل تلك التي تعبر بصدق عن صاحبها وتجعل مظهره امتدادا طبيعيا لشخصيته لا قناعا يخفيه خلفه
ولهذا فإن الموضة الحقيقية لا تصنعها دور الأزياء وحدها ولا تحددها المنصات العالمية بل يصنعها الأشخاص العاديون الذين يضيفون إلى كل قطعة جزءا من أرواحهم وذكرياتهم وتجاربهم فتتحول الملابس من أقمشة وخيوط إلى قصص نابضة بالحياة
وفي كثير من الأحيان تبقى بعض القطع عالقة في الذاكرة سنوات طويلة ليس بسبب جمالها فقط بل بسبب اللحظات التي عشناها ونحن نرتديها فقد ترتبط بنجاح مهم أو مناسبة سعيدة أو لقاء لا ينسى أو حتى مرحلة كاملة من العمر فنحتفظ بها وكأننا نحتفظ بجزء من تلك الأيام
 تظل الموضة أكثر من مجرد صناعة وأكبر من مجرد تجارة وأعمق من مجرد مظهر خارجي إنها مساحة واسعة يلتقي فيها الذوق بالهوية والجمال بالثقة والخيال بالواقع وهي السيرة الصامتة التي نكتبها كل يوم دون قلم وتقرأها العيون قبل الكلمات ولذلك ستبقى الأقمشة دائما قادرة على أن تروي عن أصحابها ما قد لا يستطيعون هم أنفسهم أن يرووه

 

حين تكتب الأقمشة سيرة أصحابها

بقلم/ميرنا حسن

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا