news-details
مقالات

الرجل الصخرة والبكاء الصامت

بقلم/ ماجدة حسن الصباغ

يدخل المنزل مطفأ الملامح، يلقي بمفاتيح صمته على أول طاولة تقابله. تجلس بجواره زوجته، تلمح في عينيه انكساراً مخفياً فتسأله بلهفة: "ما بك؟"، فيأتي الرد المعلب والسريع دائماً: "لا شيء، أنا بخير".
وراء هذا "الخير" بركان خامد، ورجل يغرق في ضغوط الحياة ويرفض مد يده لأقرب الناس إليه؛ والسبب في ذلك جذور اجتماعية ممتدة، تحقن الصبي منذ صغره بعبارات مغلوطة مثل: "الرجل لا يبكي" و"عيب أن تشتكي". هذا الطفل يكبر ليصبح زوجاً وأباً يحمل عقيدة راسخة بأن كشف الضعف يسقط الهيبة، فتراه في المنزل هادئاً كجبل، لكنه يتفتت من الداخل، ويرفض أن يئن تحت وطأة أثقاله.

إن المأساة الحقيقية تكمن في تحول هذا الكتمان إلى حالة من التحجر النفسي والبيولوجي؛ فالدموع لم تُخلق للنساء دون الرجال، بل هي مخرج طوارئ طبيعي وضعه الخالق في النفس البشرية؛ لتخفيف ضغط الروح وتفريغ هرمونات التوتر الفائضة.

وتؤكد الدراسات النفسية والطبية الحديثة، أن كبت المشاعر المستمر لدى الرجال يرفع نسب الإصابة بأمراض القلب، وضغط الدم المرتفع، والاضطرابات النفسوجسدية بنسب تفوق النساء [1، 2]. ومن ثم، فإن حرمان الرجل من حق الفضفضة والتعبير لا يصنع بطلاً خارقاً، بل يصنع قنبلة موقوتة يستهلك الكتمان طاقتها، لينفجر لاحقاً في محيطه الأسري كزوج عصبي لأتفه الأسباب، أو يهرب بالانعزال التام والصمت العقابي.

تظن بعض المجتمعات أن الرجل "الكتوم" هو رمز السند والصلابة، والحقيقة أن البيوت الأكثر تهديداً بالانهيار هي التي يعيش فيها الرجل خلف قناع القوة الزائفة. فالمرأة في طبيعتها لا تبحث عن "روبوت" آلي يقتصر دوره على توفير المال والالتزامات المادية فحسب، بل تبحث عن شريك إنساني تتبادل معه المشاعر والهموم.
وعندما يرفض الرجل مشاركة تعبه ومخاوفه مع شريكته، فإنه يرسل إليها رسالة غير مباشرة بعدم ثقته في قدرتها على استيعابه؛ وهنا تموت المودة تدريجياً، ويبدأ الطلاق النفسي والخرس الزوجي في التسلل تحت سقف واحد.
الاعتراف بالتعب أو ذرف الدموع ليس دليلاً على قلة الحيلة أو ضعف الشخصية، بل هو قمة الشجاعة والنضج الإنساني. فالرجل الذي يمتلك الجرأة ليمسك يد زوجته ويصارحها بأزمته طالباً دعمها، هو رجل يحمي بيته من التفكك، ويجعل من شريكته خط الدفاع الأول عنه بدلاً من أن تكون ضحية لانفجاره المفاجئ.

إن الرجولة الحقيقية ليست درعاً حديدياً يخنق صاحبه حتى الموت، بل هي صدق ورحمة ومشاركة في الضعف قبل القوة. وقد آن الأوان لكسر هذه الموروثات المجتمعية العقيمة التي تقتل رجالنا ببطء، وتصيبهم بالاعتلال والوحدة لمجرد إرضاء مظهر زائف. إن حماية الأسرة تبدأ من منح الرجل الحق في أن يكون بشراً؛ يضعف ويئن ويشارك همومه دون خوف من انتقاص مكانته.

تساؤل مفتوح: إلى أي مدى نجح الصمت في بناء جدران "الخرس الزوجي" داخل بيوتنا؟ وهل تملكون الشجاعة لمشاركة الضعف والمخاوف مع شركاء حياتكم قبل فوات الأوان؟

 

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا