news-details
مقالات

من حكم مصر بعد غرق فرعون ؟

هناك لحظات في التاريخ لا تموت لأنها غامضة ، بل لأنها أخطر من أن تُكتب كاملة. ولعل واحدة من أكثر تلك اللحظات إثارة للجدل هي ماذا حدث لمصر بعد غرق فرعون؟
السؤال يبدو بسيطًا !
لكنه في الحقيقة يفتح بابًا مرعبًا على واحدة من أكبر الأزمات السياسية في العالم القديم.
لأننا هنا لا نتحدث عن موت ملك عادي بل عن سقوط الرجل الذي كانت مصر تعتبره ظل الآلهة فوق الأرض.
فمن تجرأ وجلس على العرش بعده؟
وكيف أقنعت الدولة شعبها أن الإله قد مات؟
من حكم مصر بعد غرق فرعون؟
سلسلة التاريخ من وراء الستار
بقلم / محمد مصطفى كامل
حين نقرأ قصة موسى عليه السلام في القرآن ،
ينتهي المشهد غالبًا عند لحظة البحر.
الطغيان يغرق.
وبنو إسرائيل ينجون.
وتُطوى الصفحة.
لكن التاريخ الحقيقي يبدأ بعد ذلك مباشرة. فالحادثة لم تُنهِ قصة فرعون فقط بل فتحت سؤالًا حيّر المؤرخين والباحثين لقرون ،
إذا كان الفرعون قد غرق فعلًا وسط جيشه فمن الذي حكم مصر بعد سقوط الرجل الذي كانت الدولة تعتبره إلهًا حيًا؟
لأن الإمبراطوريات لا تتوقف عند موت الملوك بل تبدأ أخطر صراعاتها بعد سقوطهم.
المشكلة التي حيّرت المؤرخين
حتى اليوم لا يوجد اتفاق حاسم حول شخصية فرعون موسى.
البعض يرى أنه رمسيس الثاني
بينما يرى آخرون أن فرعون الخروج كان مرنبتاح .
والسبب في هذا الخلاف أن السجلات المصرية القديمة لا تقدم اعترافًا مباشرًا بالكارثة. وهذا طبيعي جدًا
فالدول القديمة  مثل كثير من الدول عبر التاريخ  لم تكن تسجل هزائمها بسهولة، خصوصًا إذا تعلقت بهيبة الحاكم نفسه.
ولهذا أصبح الباحثون يحاولون إعادة تركيب المشهد من خلال التسلسل الزمني للأسر الحاكمة و النقوش والبرديات و الروايات الدينية وحالة الاضطراب السياسي التي ظهرت لاحقًا.
إذا كان رمسيس هو الغارق فمن حكم بعده؟
هنا يظهر الاحتمال الأقوى تاريخيًا 
أن الحكم انتقل مباشرة إلى ابنه مرنبتاح ، وهذا يتوافق مع التسلسل الرسمي المعروف للأسرة التاسعة عشرة. لكن المشكلة أن مومياء رمسيس الثاني اكتُشفت بالفعل، مما جعل بعض الباحثين يشككون في كونه فرعون الغرق.
ومن هنا ظهرت النظرية الثانية.
هل كان مرنبتاح نفسه هو فرعون الغرق؟
بعض الباحثين يرون أن مرنبتاح
هو الأقرب زمنيًا لأحداث الخروج.
وفي هذه الحالة، فإن مصر دخلت بعد موته مرحلة اضطراب سياسي حاد، وتعاقب على الحكم ملوك ضعفاء وسط صراعات داخلية مرهقة.
وهنا تصبح الصورة أكثر منطقية ،
دولة خرجت من كارثة عسكرية ودينية ضخمة ، وتحاول إخفاء آثار الصدمة بأي طريقة السيطرة على زمام الامور ،
لكن السؤال الأهم ليس من جلس على العرش؟
بل كيف استمرت الدولة أصلًا بعد غرق الفرعون؟
وهنا تظهر عبقرية النظام المصري القديم.
مصر لم تكن تعتمد على شخص واحد فقط، مهما كانت قدسيته.
بل كانت تملك جهازًا إداريًا ضخمًا.
كهنة يسيطرون على الوعي الديني.
جيشًا منظمًا.
ونظام حكم قادرًا على امتصاص الصدمات.
ولهذا فالأرجح أن انتقال السلطة حدث بسرعة شديدة .
حتى لا تدخل البلاد في فوضى تهدد بقاء الدولة نفسها. بمعنى آخر ربما أخفت المعابد الحقيقة لكنها أنقذت النظام.
لماذا لم يذكر القرآن اسم الفرعون؟
لأن القضية في القرآن ليست سيرة ملك . بل قانون تاريخي.
فالقرآن لا يهتم كثيرًا باسم الطاغية
بقدر ما يهتم بكيف يتحول الطغيان إلى عقيدة. كما لم يذكر اسم ذو القرنين في القرآن الكريم .
ولهذا بقي الاسم غامضًا ،
بينما بقيت النهاية واضحة.
الغرق هنا ليس مجرد عقوبة بل لحظة سقوط لفكرة تقول إن السلطة فوق كل شيء. ربما لن نعرف أبدًا الاسم الحقيقي للرجل الذي جلس على عرش مصر بعد غرق فرعون ،
لكن المؤكد أن من جلس هناك لم يرث إمبراطورية مستقرة كما كانت.
بل ورث دولة تحاول إخفاء جرح هائل.
جرح جعل المصري القديم يواجه لأول مرة سؤالًا لم يكن مسموحًا به ،
ماذا لو كان الفرعون ليس إلهًا؟
ومنذ تلك اللحظة لم تعد مصر القديمة كما كانت تمامًا.
فبعض الأحداث لا تُسقط الملوك فقط بل تُسقط الصورة التي صنعتها الحضارات عن نفسها.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا