news-details
مقالات

العقال العراقي بين قنابل الدخان الإعلامية وتحديات الاسترداد السيادي

بقلم/ عدنان صگر الخليفه 
رئيس إتحاد القبائل العراقية 
 المشرف العام لتجمع اهل العراق 

تتصاعد في الآونة الأخيرة موجات كثيفة من الضجيج الإعلامي الذي تقوده منصات وقنوات حزبية، تارة بالحديث عن اختراقات أمنية وقواعد أجنبية مكتشفة في قلب البادية العراقية، وتارة أخرى عبر تضخيم صراعات وهمية حول هوية المكلفين بتشكيل الحكومات وولاءاتهم الدولية، غير أن التدقيق في جوهر هذا الحراك يكشف عن هندسة متعمدة لصناعة "قنابل دخان" يراد لها تضليل الشارع العراقي عن استحقاقات كبرى وقضايا مصيرية تُمرر في الخفاء. إن هذا الاستخدام المفرط للإثارة الإعلامية ليس سوى ستار يحجب وراءه عملية إعادة تدوير نظام المحاصصة ومنحه رداءً جديداً يتناسب مع مقتضيات المرحلة، في محاولة يائسة لمنح الحكومات الوليدة "هنداماً" وطنياً لا يمت لواقع تشكيلها بصلة، حيث تُطبخ التفاهمات في غرف الصفقات المغلقة بعيداً عن تطلعات الشعب الذي بات يدرك علم اليقين أن السيادة الحقيقية لا تُستجدى من القوى الخارجية ولا تُبنى عبر التغريدات والزيارات المكوكية التي تتبخر عندها الوعود الوطنية.
إن المأساة الحقيقية تكمن في محاولة زج المؤسسة القبلية العراقية الأصيلة في أتون هذه اللعبة السياسية، وتجيير رمزية "العقال" لشرعنة مخرجات الفشل والتبعية، إذ نجد مشهداً سريالياً يتمثل في مسارعة بعض الكيانات القبلية للمباركة والتهنئة بمكلفين لم يخرجوا من عباءة الإصلاح الحقيقي، بل جاءوا نتاجاً لتقاسم المغانم، متناسين أن هذه المنظومة ذاتها هي التي انتهكت كرامة القبيلة مراراً، وآخرها قمع تظاهرات الفلاحين وإسقاط العقال العراقي تحت أقدام الأجهزة الأمنية في استهانة صارخة برمزية الكرامة والوجود الاجتماعي. إن الفرح بتكليف "ابن القبيلة" في ظل نظام يفتقر للسيادة على حدوده وأجوائه واقتصاده هو ارتهان للتاريخ القبلي بآثام الفساد والفشل، وتماهٍ خطير مع طبقة سياسية لا تمارس سيادتها إلا على المواطن الأعزل لقمع رأيه وتغييب صوته، بينما تمارس الخنوع والتفاهمات المذعنة أمام كل تدخل أجنبي ينتهك حرمة الأرض وحقوق الأجيال في المياه والمقدرات.
لقد آن الأوان لفرز المواقف ووضع ميثاق شرف وطني يعيد للعقال العراقي هيبته بوصفه الرقيب السيادي الأول، لا الظهير الذي يمنح الحصانة الاجتماعية للفاسدين، فالسيادة لا تتجزأ، والكرامة لا تُباع في بازار التكليفات والترضيات الحزبية. إن الامتناع عن مهادنة السلطات التي تستبيح كرامة الإنسان العراقي وتفرط في سيادة بلده هو الموقف الذي سيحمي التاريخ القبلي من وصمة "شرعنة الخراب"، ليبقى العقال صامداً فوق كل الاعتبارات الفئوية، ورافضاً لأن يكون وقوداً لقنابل الدخان التي تطلقها الأحزاب لتغطية "الأمر الجلل" المراد تمريره. إن استرداد السيادة يبدأ من الداخل، عبر رفض "السيادة الورقية" والتمسك بكرامة الأرض والإنسان، وتعرية كل المحاولات التي تسعى لتحويل القبيلة من خيمة للوطن إلى جسر تعبر فوقه أجندات المحاصصة والتبعية الدولية والإقليمية.

12 ايار 2026

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا