news-details
أدب

المكالمة

قصة قصيرة من مجموعتى صدى الارواح
في سكون الليل الحالك، حيث يخنق الصمت كل حركة، لم يكن يُسمع سوى دبيب عقرب الثواني للساعة المعلقة على الحائط. كانت تتحرك في ملل ثقيل، تسحب معها عقرب الدقائق ببطء، حتى استقر على الرقم "12"، وأكمل عقرب الساعات دورته معلنًا تمام الثالثة بعد منتصف الليل.
رنّ الهاتف فجأة... شقّ الصوت السكون كحدّ سكين.
نزعتُ الغطاء عن جسدي، وخطوت مترنحًا وسط ظلام الغرفة، أتعثر في قطع الأثاث. لم أكن قد استعدتُ وعيي الكامل بعد. التقطتُ سماعة الهاتف.
"ألو؟"
لا رد.
"ألو؟!"
قلتُها هذه المرة بنبرة غاضبة.
صمت... لكنني سمعت شيئًا؛ صوت شهيق وزفير متقطع على الطرف الآخر.
"من هناك؟"
سألتُ، وتوترت أعضائي، وارتعش صوتي. دقات قلبي علت كأنها تناشدني بالفرار.
ثم جاء صوت أنثوي خافت، نحيب بالكاد يُسمع:
"الظل لا يريد أن يتركني... أراه يتحرك من أسفل باب غرفتي... صوته لا يكف عن مناداتي... يطلب خروجي إليه!"
شعرتُ بجسدي ينتفض... لكن من تكون؟
لم أعرف حتى الآن من تحدثني.
"من أنتِ؟ وعن أي ظل تتحدثين؟"
"أنا... لمياء."
سكتُّ، ثم همست:
"لمياء... من؟"
"لمياء... زوجتك يا سامح."
سقطت سماعة الهاتف من يدي.
لم أستوعب ما سمعته للتو.
عقلي رفض الفكرة. لمياء ماتت... كنت أنا من دفنها بيدي... ماتت في المستشفى إثر نزيف حاد أثناء الولادة.
ترددت قليلًا، ثم التقطت السماعة من جديد، أقنع نفسي بأنها مزحة ثقيلة من أحد الأصدقاء، وربما لعبة من أحد الأقارب.
"هذه دعابة سمجة، وسأقطع علاقتي بمن يتلاعب بمشاعري بهذا الشكل! من أنتِ حقًا؟!"
جاء الصوت من جديد، هذه المرة مملوءًا بالتوسل:
"صدقني يا سامح... أنا لمياء، زوجتك. يجب أن تنقذني. لا وقت لدي... الظل يزداد إصرارًا... يريد روحي!"
تسمرت في مكاني.
ذلك الصوت... أعرفه جيدًا... لا يمكن أن تخطئه أذناي... إنه صوت لمياء.
"لكنكِ... ميتة! دفنتكِ بيدي!"
"سامح، هل تسمعني؟!"
"نعم... نعم، أسمعكِ!"
"هل ستنقذني؟"
"أين أنتِ؟ قولي لي فقط!"
"أنا... حيث تركتني."
ارتعدت فرائصي.
كأن جملة واحدة اختزلت كل ما تبقى فيّ من اتزان. كيف تكون حيث تركتها؟
لقد تركتها... في القبر.
"سامح؟ أين ذهبت؟ هل لا زلت معي؟!"
"نعم... نعم، أنا معكِ يا لمياء..."
"أنقذني... قبل أن يُفتح الباب... قبل أن يأخذني الظل إليه..."
بدأ صوتها يخفت تدريجيًا... ثم اختفى.
انتفضتُ من مكاني كمن أفاق من غيبوبة مفاجئة. وجدت نفسي على سريري، والغطاء لا يزال فوقي، والغرفة كما كانت.
هل كنت أحلم؟
أم أنها رؤية؟
أم... رسالة من نوع آخر؟
أشعلتُ سيجارة بيد مرتجفة، ثم تناولت الهاتف مجددًا، وأدخلت الرقم بسرعة.
"ألو؟"
"سامح؟ خيرًا؟ هل حدث شيء؟"
كان هذا صوت أخي صالح.
"صالح... أحتاجك الآن. لأمر عاجل."
"الآن؟ الساعة الثالثة والثلث فجرًا!"
"إما أن تأتيني... أو أذهب وحدي."
"اهدأ يا سامح، سأكون عندك خلال عشر دقائق."
مرت عشر دقائق كانت كالدهر.
بعدها انطلقنا بسيارتي نشق عتمة الليل، وصالح يتأمل ملامحي بقلق ظاهر.
"إلى أين نحن ذاهبون؟"
لم أجبه.
واصلنا السير حتى توقفنا بجوار المقابر.
شققت طريقي عبر الممرات، وصالح يتبعني بصمت.
توقفنا أمام قبر لمياء. كانت التربة ما زالت رطبة، وزرعة الصبار التي وضعتها يوم دفنها تقف كحارس صامت.
تنهدت، وقلت:
"الحمد لله... كل شيء كما هو."
ثم أردفت:
"هيا بنا نمر على عامل المقابر، نوصيه على القبر."
كانت الطرق بين القبور ضيقة، والسماء لا تزال ملبدة بالظلام.
حين اقتربنا من غرفة عامل المقابر، سمعنا صوتين يتحدثان داخلها... أصوات مرتفعة بشكل غريب، كأن أحدًا لم يعبأ بسكون الليل أو حرمة المكان.
توقفنا.
تسمّرنا في أماكننا حين التقطنا الكلمات الأولى:
"الثمن المعروض كبير... لكنهم يشترطون أن تكون الجثة حديثة... وسليمة."
"لا تقلق. عندي المطلوب: فتاة شابة، مدفونة منذ يومين فقط. جسدها بحالة ممتازة... طريّة... لم يمسّها الدود بعد."
شهق صالح دون أن يشعر.
كنت قد تجمدت مكاني.
ثم تابع الصوت الأول:
"هل أعددت الرموز؟ هل الطلسم جاهز؟ الساحر أخبرنا أن الجثة إن لم تكن حديثة، لن ينجح الاستحضار."
"كل شيء معدّ... والقبر في متناول اليد."
رمقتُ صالح، ثم نظرت إلى الباب، ثم إلى السماء.
همست:
لم يكن الظل كابوسًا يا لمياء...
بل كان ظل طقوس شيطانية تدور في الخفاء...
وظلكِ كان يصرخ من حيث يريدون سرقة راحتكِ.
أنتهت

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا