إبن القيم والإستعداد للرحيل والتخطيط للنجاة
إبن القيم والإستعداد للرحيل والتخطيط للنجاة
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله الذي جعل لنا الصوم حصنا لأهل الإيمان والجنة، وأحمد سبحانه وتعالى وأشكره، بأن من على عباده بموسم الخيرات فأعظم المنة ورد عنهم كيد الشيطان وخيب ظنه، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، شهادة تؤدي لرضوانه والجنة، أما بعد ذكرت المصادر الإسلامية الكثير عن العلماء والأئمة وكان من بينهم الإمام إبن القيم رحمه الله طبيب القلوب وأمير البيان، وقد أفاض الشيخ إبن القيم رحمه الله في بيان أهمية تدبر العواقب والإستعداد للرحيل، والتخطيط للنجاة، والسعي للفوز في الدارين، وضرب لذلك أمثلة بليغة منها مثل اليربوع، وكيف انه يخطط ويتدبر العواقب، فكيف بالإنسان العاقل، يقول الشيخ رحمه الله " وهذا اليربوع لا يتخذ بيتا إلا في موضع صلب ليسلم من الحافر، ويكون مرتفعا ليسلم من السيل، ويكون عند أكمه أو صخرة لئلا يضل عنه.
ثم يجعل له أبوابا، ويرقق بعضها فلا ينفذه، فإذا أتى من باب مفتوح، دفع برأسه ما رق من التراب، وخرج منه، وأنت قد ضيقت على نفسك الخناق فما أبقيت للنجاة موضعا" ويقول كذلك " الحيوان البهيم يتأمل العواقب، وأنت لا ترى إلا الحاضر، ما تكاد تهتم بمؤونة الشتاء حتى يقوى البرد، ولا بمؤونة الصيف حتى يقوى الحر، والذر يدخر الزاد من الصيف لأيام الشتاء، وهذا الطائر إذا علم أن الأنثى قد حملت أخذ ينقل العيدان لبناء العش قبل الوضع، أفتراك ماعلمت قرب رحيلك إلى القبر، فهلا بعثت فراش " من عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون" ويذكر الشيخ رحمه الله الذين بلغوا من العمر ما قال الله فيه " أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر" يذكرهم أن النذير قادم، وأن وقت الحصاد قد دنا، كما يذكر الذين هم في ميعة الصبا ونضارة الشباب أن الرحيل قد يكون أعجل.
مما يتصورون فيقول في عبارة بليغة مختصرة "كم قُطع زرع قبل التمام فما ظن الزرع المستحصد" والمعنى كم مات صغير في مقتبل العمر فما ظن من بلغ من الكبر عتيا، وكما كان هناك كلمات لشيخ الإسلام إبن القيم في منزلة التوبة في مدارج السالكين درية الألفاظ، عظيمة المعاني، لا تصدر إلا من قلب مفعم بالإيمان، وخطيب مالك لناصية البيان، كأن ألفاظه قطع الرياض، وكأن عباراته نسم الآصال، لامست شغاف القلب، وخالطت مسارب الروح، وأوحت لكثير من الكتاب والوعاظ معاني متجددة، ومباني متعددة، تشحذ الهمة للرجوع إلى منازلنا الأولى، غير أن الشيخ رحمة الله كما ساق الموعظة شعرا، ساقها أيضا اتعاظا بالحيوان فقال "غاب الهدهد عن سليمان عليه الصلاة والسلام ساعة فتوعده، فيا من أطال الغيبة عن ربه، هل أمنت غضبه"
وقال كذلك " إذا سكر الغراب بشراب الحرص تنقل بالجيف فإذا صحا من خماره ندم على الطلل" وهل على النادم إلا أن يقلع ويعزم على أن لا يعود، ويمضى في طريق الله، ويتحدث الشيخ رحمه الله عن ضرورة إحسان العبادة وتجويد الطاعة، خاصة الصلاة فيضرب مثل الفأرة والجمل، فيقول "رأت فأرة جملا فأعجبها، فجرّت خطامه، فتبعها، فلما وصلت إلى باب بيتها، وقف فنادى بلسان الحال إما أن تتخذي دارا تليق بمحبوبك، أو محبوبا يليق بدارك، وهكذا أنت إما أن تصلي صلاة تليق بمعبودك، وإما أن تتخذ معبودا يليق بصلاتك" ويشبه الشيخ رحمه الله عمل المخلص بالحرير، وعمل المرائي بنسج العنكبوت، وشتان بين الاثنين، ويقول الشيخ رحمه الله "لما أخذ دود القز ينسج، أقبلت العنكبوت تشبهه، وقالت لك نسج ولي نسج، فقالت دودة القز ولكن نسجي أردية الملوك.
ونسجك شبكة الذباب، وعند مس الحاجة يتبين الفرق، ويبين أن المرائين والمخلطين والمتعالمين لا يرفع لهم علم ولا يقوم لهم وجود، ولا يجتمع الناس حولهم إلا في غياب أهل الحق، ويقول الشيخ رحمه الله "الأطيار تترنم طول النهار، فقيل للضفدع ما لك لا تنطقين فقالت مع صوت المزمار يستشبع صوتي ولكن الليل أجمل بي" وواقعنا اليوم فيه الأطيار التي تصدع بالخير والضفادع التي تنق بالشر، فيه النخلة التي كلها خير، وفيه الحنظلة التي لا تنفك مرة، ويقول الشيخ رحمه الله " لو سقي الحنظل بماء السكر، لم يخرج إلا مُرا"
التعليقات الأخيرة