طبيب القلوب وأمير البيان
طبيب القلوب وأمير البيان
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله على نعمة الصيام والقيام، وأحمد الله وأشكره، فإليه المرجع وإليه المآب، واشهد أن لا إله إلا هو، ولقد جعل الله النهار والليل آية لأولي الألباب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد اتقوا الله ربكم حق تقاته، واشكروه على ما أنعم عليكم من النعم، واعبدوا واحمدوا الله، واعرفوا قدر النعم التي أنعمها الله عليكم، واحمده على منه عليكم بمواسم الخيرات والتي تتكرر كل عام، واستغلوها وتوبوا لله توبة نصوحا، ولا تموتن إلا وأنتم مؤمنون ثم أما بعد ذكرت المصادر الإسلامية الكثير عن العلماء والأئمة وكان من بينهم الإمام إبن القيم رحمه الله طبيب القلوب، ونطاسيّ النفوس، وأمير البيان، كم إستجاش المشاعر بكلماته، و كم سحر العقول بعباراته وخلب الأسماع بمواعظه، من قرأ له بحضور قلب قام بوجه غير الذي جلس به إليه، ذلك أنه من أهل العلم الذين تلتمس من كلماتهم ضالات الحكم.
وشاردات المعاني، ودقيقات المعارف، ولا نبعد عن الحق إن قلنا إن كلامه أندى على الأرواح من عليل الهواء، وأروى للأفئدة من زلال الماء، وقد إنتثرت في كتبه عبارات من عيون الحكمة على ألسنة الحيوان والنبات، خاصة في كتبه الفوائد و بدائع الفوائد ومدارج السالكين وشفاء العليل، وقد قال الشيخ رحمه الله " وكثير من العقلاء يتعلم من الحيوانات البهم أمورا تنفعه في معاشه وأخلاقه وصناعته وحرْبه وحزمه وصبره" وقد أحببنا أن نشير إلى نماذج من هذه الأمثلة المعبرة، والمواعظ المؤثرة، عساها تصادف أرضا مخصبة، فتنموا حدائق ذات بهجة، تهوي إليها الأفئدة، وكما تحدث شيخ الإسلام إبن القيم عن ضرورة المصابرة في حمل رسالة البلاغ، ولزوم أمر الله، والحذر من حبائل الدنيا وضرب لذلك مثلا بالطائر الزاجل الذي يعرف هدفه.
ويعمل فكره في الوصول إليه ولا يحيد عنه، يقول الشيخ رحمه الله "إذا حمل الطائر الرسالة صابر العزيمة ولازم بطون الأودية، فإن خفيت عليه الطريق تنسم الرياح، وتلمح قرص الشمس وتستر، وهو مع شدة جوعه يحذر الحَب الملقى خوفا من دفينة فخ توجب تعرقل الجناح، ويضيع ما حمل فإذا بلغ الرسالة أطلق نفسه في أغراضها داخل البرج فيا حاملي كتب الأمانة أكثركم على غير الجادة، وما يستدل منكم من قد راقه الحب فنزل بما حمل، فارتهن وما ربح، فتعرقل جناحه، وينتظر الذبح، فلا الحبة حُصّلت، ولا الرسالة وُصّلت، ويقول في موضع آخر " ألا يصبر طائر الهوى عن حبة مجهولة العاقبة، وإنما هي ساعة ويصل إلى برج أمنه" وفي موضع آخر في ذات الموضوع يشبه الشيخ رحمه الله المسلم في الدنيا بالغائص في بحر يعج بالتماسيح، فيقول منبها.
" كم في يم الغرور من تمساح فاحذر ياغائص" وحتى نحذر من حبائل الدنيا لا بد لنا من كف النفس عن شهواتها، إن لم يكن ذلك سموا إلى أفق المسلم الذي يريده الله لنا فلا أقل من أن يكون اتعاظا بكلب الصيد، يقول الشيخ رحمه الله " علمت كلبك فهو يترك شهوته في تناول ما صاده إحتراما لنعمتك وخوفا من سطوتك وكم علمك معلم الشرع وأنت لا تقبل" فيا لله ما أضيعنا إن عجزنا أن نكون كالكلاب، ويبين الشيخ رحمه الله أهمية الصبر على متطلبات الدعوة، وضرورة إحتمال الأذى لأن القبول في نهاية الأمر لأهل الحق، والعاقبة للمتقين، فيقول " إذا فتحت الوردة عينها فرأت الشوك حولها فلتصبر على مجاورته قليلا، فوحدها تقصد وتقبَّل وتشم " اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الرحمين، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، برحمتك يا عزيز يا غفار سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
التعليقات الأخيرة