news-details
مقالات

شجرة الصنوبر وشجرة الدباء في حوار

شجرة الصنوبر وشجرة الدباء في حوار


بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله الذي نزّل على عبده الفرقان ليكون للعالمين نذيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إنه كان بعباده خبيرا بصيرا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فاللهم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد ذكرت المصادر الإسلامية للذين يستعجلون الخطى ويتناسون السنن الكونية، ويريدون أن يقفزوا فوق المراحل لإحراز نصر عاجل سريع، يسوق الشيخ رحمه الله إبن القيم رحمه الله حوارا واضح المعالم، ماثل الأغراض جرى بين شجرة الصنوبر وشجرة الدباء، فيقول "شجرة الصنوبر تثمر في ثلاثين سنه، وشجرة الدباء تصعد في أسبوعين، فتقول للصنوبرة إن الطريق التي قطعتها في ثلاثين سنة قطعتها في أسبوعين، ويقال لي شجرة ولك شجرة. 




فقالت لها الصنوبرة مهلا حتى تهب رياح الخريف، فإن ثبتي لها تم فخرك" وكثيرا ما يستدل الشيخ ابن القيم رحمه الله على عظيم قدرة الله بهدايته للمخلوقات "الذي خلق فسوى والذي قدّر فهدى" وفي ذلك يقول وفي هدايته للحيوان إلى مصالحه ما هو أعجب من ذلك، ومن ذلك أن الديك الشاب إذا لقي حبّا لم يأكله حتى يفرقه فإذا هرم وشاخ أكله من غير تفريق، كما قال المدائني إن إياس بن معاوية مرّ بديك ينقر حبّا ولا يفرقه، فقال ينبغي أن يكون هرما فإن الديك الشاب يفرق الحب ليجتمع الدجاج حوله فتصيب منه، والهرم قد فنيت رغبته فليس له همة إلا نفسه، وقال إياس والديك يأخذ الحبة فهو يريها الدجاجة حتى يلقيها في فيه، والهرم يبتلعها ولا يلقيها للدجاجة، وهذا الثعلب إذا اشتد به الجوع انتفخ ورمى بنفسه في الصحراء كأنه جيفة فتتداوله الطير فلا يظهر حركة.




ولا نفسا فلا تشك أنه ميت حتى إذا نقر بمنقاره وثب عليها فضمّها ضمّة الموت، وهذا ابن عرس والقنفذ إذا أكلا الأفاعي والحيات عمدا إلى الصعتر النهري فأكلاه كالترياق لذلك، ومن عجيب أمر الثعلب أنه إذا أصاب القنفذ قلبه لظهره لأجل شوكه فيجتمع القنقذ حتى يصير كبّة شوك فيبول الثعلب على بطنه ما بين مغرز عجبه إلى فكّيه، فإذا أصابه البول إعتراه الأسر فإنبسط، فيسلخه الثعلب من بطنه ويأكل مسلوخه، وقال ابن الأعرابي قيل لشيخ من قريش من علمك هذا كله وإنما يعرف مثله أصحاب التجارب والتكسب؟ قال علمني الله ما علم الحمامة تقلب بيضها حتى تعطي الوجهين جميعا نصيبهما من حضانتها، ولخوف طباع الأرض على البيض إذا استمر على جانب واحد، وقيل لآخر من علمك اللجاج في الحاجة والصبر عليها وإن استعصت حتى تظفر بها؟ 




قال من حتى إذا برزت لها الفأرة وثبت عليها كالأسد، وقيل لآخر من علمك الصبر والجلد والاحتمال وعدم السكون؟ قال من علم أبا أيوب صبره على الأثقال والأحمال الثقيلة والمشي والتعب وغلظة الجمّال وضربه، فالثقل والكل على ظهره، ومرارة الجوع والعطش في كبده، وجهد التعب والمشقة ملء جوارحه، ولا يعدل به ذلك عن الصبر، وفي النهايه فإنه ليس من مقصودنا أن نتتبع كل العبر والعظات التي ساقها الشيخ ابن القيم رحمه الله على لسان الحيوان والنبات، وفي ما تقدم إشارات تحقق المنشود وتفي بالمقصود، نسأل الله أن يوفقنا إلى إستخلاص العبر والعظات من المشاهدات التي تقع أمامنا، فالعاقل من إتعظ بغيره، والشقي من لا يتعظ بما يقع له فضلا عن أن يتعظ بغيره، فاللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا أخرتنا التي إليها معادنا، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا