دراسة بحثية استراتيجية: خطة العراق الاستراتيجية للانضمام التدريجي لمنظمة شانغهاي للتعاون (SCO) 25/ايلول/2025
دراسة بحثية استراتيجية: خطة العراق الاستراتيجية للانضمام التدريجي لمنظمة شانغهاي للتعاون (SCO)
25/ايلول/2025
إعداد/الكاتب والباحث/ عدنان صگر الخليفه
الملخص التنفيذي
تُقدم هذه الدراسة خريطة طريق استراتيجية لـ تنويع الشراكات الدولية للعراق عبر الانخراط التدريجي في منظمة شانغهاي للتعاون (SCO). تؤكد الدراسة أن الهدف الأساسي هو تعظيم المكاسب الاقتصادية والأمنية وتفعيل مبدأ التحييد النشط للقرار العراقي. تُحذر الدراسة من التعقيدات الجيوسياسية، لا سيما التوازن الحساس مع اتفاقية الإطار الاستراتيجي (SFA) مع الولايات المتحدة وتأثير تعددية القرار والنفوذ الخارجي. توصي الدراسة بالبدء فوراً بالمرحلة الأولى (التقييم والتوافق الداخلي) وصولاً إلى طلب صفة "شريك في الحوار" كمدخل آمن ومُحايد لاختبار الفوائد دون إثارة صدام دولي.
السياق الجيوسياسي للعراق ومنظمة شانغهاي
الموقع الاستراتيجي للعراق والمعضلة الثلاثية
تمثل العلاقات مع الولايات المتحدة (SFA) أساس العلاقة مع واشنطن، وأي تحرك نحو منظمة SCO يجب أن يُدار بحذر لتجنب المساس بهذه الاتفاقية. أما العلاقات مع إيران (العضو الكامل في SCO)، فتوفر قناة محتملة للعراق، ولكنها تزيد في الوقت ذاته من حساسية الغرب، ويجب أن يستخدم العراق هذه العلاقة كجسر للحوار لا للاصطفاف. وتكمن المعضلة الثالثة في تعددية القرار والنفوذ الخارجي، حيث أن القرار العراقي عرضة للتأثيرات الخارجية والتقسيمات الداخلية، لذا، فإن أي خطوة نحو SCO يجب أن تُبنى على إجماع وطني صلب لـ تحصين القرار السيادي.
منظمة شانغهاي للتعاون: الهيكل والدور
منظمة أوراسية سياسية، أمنية، واقتصادية، تأسست في عام 2001، وتهدف إلى بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب. تكمن أهميتها العالمية في أنها تضم حالياً 10 دول أعضاء، وتمثل حوالي 40% من سكان العالم، مما يوفر سوقاً ضخماً وشراكة أمنية قوية. تتفق أهداف SCO المتعلقة بمكافحة الإرهاب، والتطرف، وتسهيل التعاون الاقتصادي، مع أولويات العراق بعد مرحلة ما بعد الصراع.
التحديات والمخاطر الإقليمية والدولية
تحليل المخاطر المتعلقة بالولايات المتحدة
قد يُنظر إلى الانخراط في منظمة SCO على أنه تحدٍ للنفوذ الأمريكي، مما يثير خطر التوتر الدبلوماسي والتصنيف. كما تزداد احتمالية تعرض العراق لضغوط اقتصادية أو مالية غير مباشرة من واشنطن. استراتيجية التخفيف تتطلب من العراق تفعيل سياسة الشفافية الكاملة وتقديم ضمانات بأن الانضمام لا يمس بالتعاون الأمني الحالي، بل يركز على الجانب الاقتصادي والتنموي.
تحديات الإجماع الداخلي وتأثير المحاور الإقليمية
يجب أن يتم اتخاذ قرار الانخراط عبر مظلة اللجنة الوطنية العليا التي تضمن تمثيل جميع القوى لـ تحصين القرار الوطني. كما يجب إدارة العلاقة مع الدول الأعضاء الكبرى بمهارة، للتأكيد على أن العراق ينضم للمنظمة كـ دولة مستقلة تسعى لمصالحها الخاصة، وليس كـ "وكيل" أو تابع لأي قوة.
مخاطر القدرة التنفيذية والتعقيدات المالية
يواجه العراق خطر العقوبات الثانوية والالتزام القانوني نظراً لتعامله مع أعضاء رئيسيين في SCO يخضعون لعقوبات غربية، مما يتطلب تدقيقاً للمخاطر القانونية وإعداد خطط بديلة للمعاملات المالية. كذلك، هناك خطر محدودية القدرات التنفيذية والبيروقراطية التي قد تعيق تنفيذ الخطة الطموحة، مما يستلزم تزويد اللجنة الوطنية العليا بكوادر فنية متخصصة وضمان المساءلة الزمنية. وأخيراً، يجب إدارة خطر تآكل النفوذ الغربي المبكر بتجنب التسرع في التقديم لصفة المراقب قبل ضمان التزامات اقتصادية واضحة وملموسة من أعضاء SCO.
خطة الطريق الاستراتيجية المرحلية (Roadmap)
المرحلة الأولى: التقييم والتوافق (12 - 18 شهرًا)
تتضمن هذه المرحلة إنشاء اللجنة الوطنية العليا لقرار SCO لتجاوز تعددية القرار، وإنجاز تقرير "عدم التناقض" للمراجعة القانونية والجيوسياسية في ضوء الـ SFA، وبدء المشاورات غير الرسمية مع واشنطن والجهات الغربية لطمأنتها حول نوايا العراق.
المرحلة الثانية: الانخراط الآمن (شريك في الحوار)
يتم فيها تقديم الطلب الرسمي للحصول على صفة "شريك في الحوار"، وهي الصفة الأقل التزاماً. يجب أن يتم التركيز الاقتصادي بتوجيه التمثيل العراقي للمشاركة بشكل أساسي في منتديات التعاون الاقتصادي والتجاري والثقافي التابعة للمنظمة، مع إعداد تقارير دورية للـ التقييم المستمر حول الفوائد المباشرة المكتسبة.
المرحلة الثالثة: المراقبة والقرار النهائي
بعد تقييم إيجابي للمرحلة الثانية، يتم طلب الانتقال إلى صفة المراقب، مما يسمح بحضور قمم رؤساء الدول. لا يتم اتخاذ القرار المصيري للعضوية الكاملة إلا بعد مرور سنوات من المراقبة والتحقق من أن المكاسب تفوق التكاليف الجيوسياسية، ويجب أن يتم هذا القرار بموافقة تشريعية عليا.
العائدات والمكاسب الاستراتيجية المتوقعة للعراق
المكاسب الأمنية ومكافحة الإرهاب
تشمل التعاون الاستخباراتي عبر الوصول إلى قاعدة بيانات وخبرات الهيكل الإقليمي لمكافحة الإرهاب (RATS)، واستقرار الحدود بتعزيز التنسيق الأمني على الحدود الشرقية والشمالية مع الدول الأعضاء.
المكاسب الاقتصادية والاستثمارية
تتمثل في تمويل البنية التحتية عبر جذب الاستثمارات والقروض التنموية من الصين وروسيا والهند لتمويل مشاريع طريق التنمية والربط السككي والطاقة، وتنويع الإمدادات لتأمين سلاسل إمداد مستدامة من كبرى القوى الصناعية الآسيوية.
المكاسب الدبلوماسية والتحييد النشط (آليات التطبيق)
يوفر الانضمام منصة التوازن الدولي، ويرسخ مبدأ التحييد النشط عبر إثبات قدرة العراق على بناء شراكات استراتيجية مع مختلف المحاور. لتفعيل هذا المبدأ، يجب تطبيق:
آلية "الفلترة الاقتصادية": التركيز على اللجان الاقتصادية والتجارية لنزع الصفة الأمنية عن الانخراط وطمأنة الشركاء الغربيين.
آلية "الموازنة المؤسسية المتزامنة": ضمان تزامن أي خطوة متقدمة نحو SCO مع خطوات موازية ومرئية لتعزيز الالتزام باتفاقية الإطار الاستراتيجي وشراكة الناتو، لإظهار التزام متساوٍ لكلا المحورين.
آلية "الحياد السيادي المُعلَن": الإعلان الواضح عن الخطوط الحمراء السيادية (عدم الانحياز في النزاعات الدولية الكبرى، عدم السماح بقواعد عسكرية)، واستخدام حق "الامتناع" في التصويتات التي تتعارض مع المصالح العليا.
آلية "القيادة الإقليمية المستقلة": استخدام منصة SCO لتقديم مبادرات إقليمية خاصة بالعراق لتعزيز مكانته كـ قوة توازن فاعلة.
التوصيات والخلاصة
التوصية الأهم هي البدء الفوري بتشكيل اللجنة الوطنية العليا لقرار SCO لضمان الإجماع الداخلي كخطوة أولى لا رجعة فيها نحو تحصين القرار السيادي. الخلاصة أن الانخراط التدريجي في منظمة شانغهاي ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة استراتيجية للعراق لتحقيق التوازن بين الشرق والغرب، وتأمين مصالحه التنموية والأمنية على المدى الطويل.
التعليقات الأخيرة