news-details
مقالات

دراسة بحثية استراتيجية: نموذج إدارة اللااستقرار وتأبيد التجزئة في منظومة الحكم العراقي 25/أيلول/2025

دراسة بحثية استراتيجية: نموذج إدارة اللااستقرار وتأبيد التجزئة في منظومة الحكم العراقي
25/أيلول/2025


إعداد/ الكاتب والباحث/ عدنان صگر الخليفه 

المقدمة
تتناول هذه الدراسة تحليل البنية الاستراتيجية الكامنة خلف المشهد السياسي العراقي ما بعد 2003، حيث لا يُنظر إلى التنافس الداخلي كظاهرة محلية فحسب، بل كآلية وظيفية لخدمة مصالح قوى إقليمية ودولية متضاربة. تفترض الدراسة أن الهدف الأقصى للقوى النافذة هو الحفاظ على "نموذج التجزئة والمحاصصة"، وأن أي تحرك سياسي أو أمني يحدث هو في الحقيقة وسيلة لإدامة هذا النموذج، حتى لو كان عبر استراتيجية "إدارة اليأس الاجتماعي". يتم التركيز في التحليل على الأدوار الوظيفية للقوى الفاعلة دون تسميتها بشكل مباشر.
الفصل الأول: الإطار المفاهيمي والفرضيات الأساسية
1.1. التجزئة كأداة استراتيجية للنفوذ
يُعدّ "القرار السياسي المتجزئ" في العراق، الناجم عن نظام المحاصصة، أداة فعالة لضمان النفوذ الخارجي. إن الارتباطات الاستراتيجية الموثقة بين الأحزاب المتنفذة والعديد من الجهات الخارجية (شركات استشارية، ومراكز قوى إقليمية ودولية) تؤكد أن الاستراتيجية الكلية للبلاد تُرسَم خارجياً. هذا الوضع يضمن أن العراق لن يتخذ قراراً موحداً ومركزياً قد يهدد مصالح أي طرف من الأطراف المؤثرة.
1.2. وظيفة الكرسي التنفيذي والتوظيف السياسي
يتمثل دور القيادة التنفيذية (منصب رئيس الحكومة) في هذا النموذج بكونه "موظفاً توافقياً". مهمته ليست الإصلاح، بل إدارة التوازن الهش بين مصالح الكتل المتصارعة، وتأمين استمرار تدفق الحصص والموارد للجميع. إن ضعف هذا المنصب هو شرط ضروري لضمان أن تبقى القوة الفعلية في يد الكتل المتنازعة المتحالفة مع الخارج.
الفصل الثاني: آليات إجهاض التغيير وتثبيت النموذج
للحفاظ على نظام التجزئة، تُمارَس آليتان أساسيتان لصد أي تهديد قد يخرج عن نطاق السيطرة:
2.1. إجهاض التهديد المسلح والتفتيت الكلي
تم إجهاض تحرك استراتيجي سعى إلى استخدام "كيان ذي قاعدة جماهيرية واسعة" بالتحالف مع "قوى مسلحة مناطقية" لبدء مرحلة "الصدام المسلح المُدار" في مناطق جغرافية حساسة. هذا المشروع، الذي كان يهدف إلى التفكيك وتأسيس جيوب مسلحة خارج السيطرة المركزية (على غرار نماذج صراع إقليمية خطيرة)، قُوبل برفض قاطع وتهديد مباشر بـ "التصفية" من قبل القوى الإقليمية النافذة و**"التدخل"** من قبل القوى الدولية الكبرى. هذا التدخل المشترك يؤكد وجود خط أحمر جيوسياسي يتفق عليه الجميع: منع الانهيار الكلي والفوضى الشاملة غير القابلة للإدارة.
2.2. احتواء التهديد السياسي عبر المقايضة
يتم تحييد خطر "الكيانات ذات القاعدة الجماهيرية" التي تسعى لكسر التوافق، ليس بالضرورة بإدخالها في الانتخابات، بل بـ "المقايضة الاستيعابية". يتم منح هذه الكيانات "استحقاقات" ومناصب إدارية أو مالية (جزء من الكعكة) لضمان "شراء صمتها". هذه الآلية تحوّل القوة الثورية المحتملة إلى شريك مستوعَب يدافع عن حصته المكتسبة ضمن النظام، مما يعزز استقراره الهش.
الفصل الثالث: الهدف الاستراتيجي الأقصى - إدارة اليأس
إن الهدف الأعمق للقوى المتحكمة بمسار القرار هو "السيطرة على الوعي العام" لتمرير المشروع بالكامل.
3.1. استراتيجية الإيهام والإحباط
يُركز النظام على خلق ضجيج إعلامي مُركَّز حول حتمية التغيير والإصلاح، مما يرفع سقف التوقعات الشعبية. وبموازاة ذلك، يتم ضمان أن كل محاولة للتغيير الجذري ستنتهي بالفشل أو المقايضة، ليتم إيصال المجتمع إلى مرحلة من اليأس المطلق من إمكانية إصلاح النظام أو مقاومته.
3.2. تثبيت النموذج عبر الاستسلام النفسي
يصبح "اليأس المطلق" هو الأداة الأكثر فعالية لتأبيد نظام المحاصصة والتجزئة. فعندما يستسلم المجتمع لليأس، فإنه يتقبل "الوضع الراهن" كـ "حقيقة أبدية" لا يمكن تغييرها، مما يزيل الضغط الشعبي عن القوى المتنفذة ويضمن استمرار المصالح الخارجية دون تحدي وطني جدي.
الخاتمة والاستنتاج
تُظهر هذه الدراسة أن التنافس السياسي في العراق ليس صراعاً على من يحكم، بل صراع على كيفية إدارة اللااستقرار بطريقة تخدم مصالح القوى الخارجية التي رسمت للعراق أن يكون كذلك. لقد نجحت هذه القوى في ترسيخ نظام المحاصصة والتجزئة المدارة، وأثبتت قدرتها على إجهاض أي تهديد بالتوحيد أو التفكيك الكلي عبر آليات متزامنة من التهديد الخارجي والاحتواء السياسي الداخلي. إن الاستنتاج الحتمي هو أن المشروع المهيمن في العراق هو مشروع إدامة التجزئة، وأن الهدف الأقصى الذي يُراد من الشعب بلوغه هو اليأس التام لضمان استمرارية هذا النظام الهش الذي يخدم مصالح النفوذ متعدد الأقطاب.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا