news-details
مقالات

"أين أبي؟"... سؤال طفل يهز الجبال ولا يُحرّك قلوبًا غابت عنها الرحمة

"أين أبي؟"... سؤال طفل يهز الجبال ولا يُحرّك قلوبًا غابت عنها الرحمة


بقلم :[هبه هيكل]
في صباحٍ دراسيّ عادي، وبين جدران أحد الفصول، رُفع سؤال بسيط من كتاب:
"كم عدد أفراد أسرتك؟"

يرتبك الطفل، يُخفض عينيه، ينظر حوله ليرى زملاءه يُجيبون بكل فخر:
"أنا وأبي وأمي وأختي…"
أما هو… فيُطأطئ رأسه ويتردد…
هل يذكر أبًا لا يعرفه؟ هل يكتب اسمه على الورق، بينما لا يملك منه لحظة في الواقع؟
هل يروي لأمه كيف سأله زملاؤه: "أين أبوك؟ لماذا لا يأتيك للمدرسة؟ لماذا لا نراه معك؟"

هذه ليست قصة خيال… بل واقع يعيشه آلاف الأطفال الذين أنجبتهم الأقدار لأب غائب، اختار أن يترك كل شيء وراءه… واختار أن تكون الأم وحدها هي السند، والكتف، والحضن، والمصروف، والطبيب، والمُربي.

لكن ماذا عن الطفل؟
من يُجفف دموعه حين يُنادى عليه: "ابن الغائِب"؟
من يحتضنه حين يُنبذه المجتمع لأنه لا يملك "رجلًا" في بيته؟
من يُدافع عنه حين يتنمرون عليه لأنه "بدون أب"؟
أتعلمون كم مرة تكسرت روحه الصغيرة وهو يرى أمه تُقاتل العالم لأجله وحدها؟

وهل تساءلتم يومًا… كيف يرى المجتمع تلك الأم؟
امرأة بلا رجل؟ لا حماية، لا دعم، لا سند…
ينظرون لها كأنها اختارت الوحدة، ولا يدركون أنها فقط حاولت أن تنقذ ما تبقى من كرامتها وكرامة أبنائها.
يُحمّلونها الفشل… ويحمّلونها مسؤولية الغياب الذي لم يكن خيارها!

هي لم تطلب الكثير… فقط أن يشاركها الأب في أقل حقوق أطفاله:
في الحضور، في السؤال، في الحماية…
لكن أين هو؟
هو الذي قرر أن يبدأ حياة جديدة، وتركهم كأنهم لم يكونوا.
هل نسي من حملته هذه المرأة في قلبها قبل جسدها؟
هل نسي كم مرة سهرَت على راحته وطبخته وغسلته وأحبته؟
هل نسي أنه حين أنجب، لم يُنجِب وحده؟

أيها الأب الغائب،
هل رأيت يومًا نظرة ابنك حين يُقال له: "أين والدك؟"
هل شعرت بوخز قلبه حين يُقصى من أنشطة المدرسة لأن لا أحد يُمثله؟
هل تدري كيف تُحارب أمه ألف حربٍ في كل يوم، لتُخفي دموعها وتبتسم له وتقول: "أنا معك… لن تحتاج أحدًا"؟

لكن الحقيقة… أنه يحتاجك.
نعم، هو يحتاجك، حتى وإن لم يُظهر ذلك.
وستأتي الأيام، حين يكبر، ويسألك وجهًا لوجه:
"لماذا لم تكن هنا؟"

هذه ليست دعوة لتأنيب الضمير فقط… بل دعوة للاستفاقة.
قانون الأسرة لا يجب أن يُبنى فقط لحماية الحقوق الورقية، بل لحماية الروح الإنسانية لأطفال يعيشون في انتظار "أب" لا يأتي.

وللأم نقول:
أنتِ كُلّ العظمة.
أنتِ وطن، وسند، وظلّ شجرة في صحراء قاحلة.
أنتِ من تُصنع الأمم على يديها، رغم أن العالم يُحمّلها ما لا يُحتمل.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا