news-details
مقالات

"أب غائب... وأم تقاتل وحدها: حكاية وجع لا ترويه المحاكم"

"أب غائب... وأم تقاتل وحدها: حكاية وجع لا ترويه المحاكم"


في زحام الحياة، هناك مشهد لا تلتقطه الكاميرات ولا تعترف به محاضر الجلسات... أم تقف أمام المحكمة تحمل بيدها أوراقًا، وبيدها الأخرى طفلًا ينام جائعًا من تعب الطريق. ليست مطالبة بثروة، ولا تسعى لرفاهية... فقط تطالب بما يكفي طفلها ليعيش.

أين هو الأب؟ سؤال تكرره المحاكم، وتنتظر عليه إجابة لا تأتي. أب قرر أن ينأى بنفسه عن مسؤولية خلقها بإرادته. ترك أولاده خلفه، ورحل ليبدأ حياة جديدة، وكأنهم لم يكونوا يومًا جزءًا منه. بينما الأم... تُصبح الأب والأم والمعيل والمدافع في آنٍ واحد. تقف أمام القاضي، ثم تنتظر شهورًا وسنوات حتى يُصبح الحكم "نهائيًا"... ولكن ماذا عن الطعام؟ والدواء؟ وحذاء المدرسة الذي تمزّق؟ هل تنتظر هذه الاحتياجات درجتين من التقاضي حتى يُصرف لها القليل مما يكفي؟

لا نطلب المستحيل، نطلب فقط عدلًا لا يرهق صاحبه. نطلب أن يُنظر إلى قضايا الأسرة باعتبارها قضايا حياة، لا أوراقًا تنتظر ختمًا إداريًا. نطلب أن تُفهم احتياجات الأطفال كما هي في الواقع: دروس خصوصية لا يُمكن إثباتها بإيصال، ونزهات تزرع في نفوسهم الطمأنينة، ومصاريف طبية لا تعرف توقيتًا.

أي قلب هذا الذي يترك أبناءه لأم أنهكها التعب والخذلان؟ وأي رجولة تُقاس بالهرب من المسؤولية؟ كيف لرجل أن يبدأ حياة جديدة وزواجًا آخر، بينما زوجته السابقة تسقط عنها الحضانة لمجرد أنها فكرت أن تبدأ من جديد؟

أي عدالة هذه التي تُعاقب الأم لأنها أرادت أن تعيش، وتغض الطرف عن أب لا يسأل، ولا يدفع، ولا يُسأل؟

لماذا تصبح الأم، في قضايا الأسرة، هي المتهمة والمُطالبة بكل شيء... بينما الأب يعيش في الظل، حُرًّا من كل التزامات؟ أليست الطفولة مسؤولية مشتركة؟ ألا يُفترض أن يكون الأب مسؤولًا عن الإنفاق، لا الأم وحدها؟

إن أطفال الطلاق لا ذنب لهم، وهم أولى من أي نظام أو قانون بأن يُوضعوا في مقدمة الاهتمام. هم الضحايا الصامتون، الذين لا يسمعهم أحد، والذين تُحاكم أمهاتهم في كل يوم فقط لأنهن قررن أن يكنّ أمهات حقيقيات.

أيها القضاة، أيها المشرّعون، أيها الآباء... أنصتوا لطفل يبكي في صدر أمه على باب المحكمة، واسألوا أنفسكم: كم من الوقت تبقّى له حتى يُفقد شعوره بالانتماء؟ كم من صرخة بعد تحتاجون لتصحو ضمائركم؟

هذه ليست قضية امرأة تطلب نفقة... بل قضية مجتمع يُعيد إنتاج الظلم بصمت مريب. نحتاج إلى قانون يرى الواقع، لا يُديره من خلف المكاتب. قانون يحمي الأم من أن تُعاقب حين تُحب، وحين تُربي، وحين تقاوم وحدها.

نحتاج إلى أب لا يختفي، وإلى عدالة لا تتأخر، وإلى إنصاف يُعيد لهذه الأم كرامتها، ولهذا الطفل طفولته.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا