news-details
مقالات

تحويل الإحسان إلى أداة للمصلحة الشخصية

 


بقلم / محمـــد الدكـــروري 
إن من أثر المن والأذي هو تحويل الإحسان إلى أداة للمصلحة الشخصية، كمن يتصدق ليصنع لنفسه صورة إجتماعية أو ليحصل على النفوذ أو الشهرة، فاحرص عند توصيل الصدقة على حسن إعطائها وتقديمها بما لا يجرح شعور أخيك المحتاج، فقد جعل الإسلام الصدقة رسالة رحمة تحفظ للإنسان إنسانيته، وتصون له كرامته، وتداوي حاجته دون أن تجرح عزّته، فالفقر وإن أضعف قدرة الإنسان على بعض شؤون الحياة، فإنه لا ينقص من قدره ولا يسلبه حقه في الإحترام والتقدير، إذ الكرامة الإنسانية أصل ثابت لا يتغير بتغير الحال، حيث قال تعالى " ولقد كرمنا بني آدم " ومن هنا أحاطت الشريعة باب الإحسان بجملة من الآداب والضوابط التي تجعل العطاء جبرا للخاطر لا كسرا له، ومواساة لا منة، وتكافلا لا إستعلاء، فنهت عن المن والأذى، ودعت إلى طيب القول.




وحثت على ستر المحتاج وحفظ ماء وجهه، بل تجاوزت إغاثة الحاجة العارضة إلى تمكين الإنسان من أسباب الكفاية والإستغناء، ومن هذا المنطلق تتجلى معالم الصدقة التي تحفظ كرامة المحتاج وتصون مكانته، في جملة من المحاور الرئيسة، وهي قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى، فالمنهج الأخلاقي العالي الذي يرعاه الإسلام في التعامل بين البشر، حيث يضع كرامة الإنسان وحفظ مشاعره فوق المال والماديات، وهذا إخبار جزم من الله تعالى أن القول المعروف وهو الدعاء والتأنيس والترجية بما عند الله، خير من صدقة هي في ظاهرها صدقة، وفي باطنها لا شيء، لأن ذلك القول المعروف فيه أجر، وهذه لا أجر فيها، واعلموا يرحمكم الله أن الأذى يقتل قيمة العطاء، فالصدقة التي يصاحبها منّ أو حديث أمام الناس بفضح للفقير، أو تجريح لشخصه. 




تفقد جوهرها الإيماني وتحول العطاء المادي إلى خنجر يطعن الكرامة، إذ المقصد من العطاء جبر الخاطر وسد الحاجة، وإبتغاء رضوان الله، لكنه بهذا المن، تهدر الكرامة وينكسر الخاطر، ويحبط العمل، واعلموا أن التشهير من أخطر صور الأذى، إذ قد تلتقط صورة لحظة العطاء، أو ينشر مقطع مصور لحال الفقير، ثم تنتشر في لحظات خارج حدود الزمان والمكان، فتتحول حاجته إلى مادة يتداولها الناس، ويصبح ستره المفقود أثرا رقميا قد يصعب محوه، والإسلام حين شرع الصدقة لم يجعل كرامة المحتاج ثمنا لها، بل جعل حفظها جزءا من حقيقة الإحسان، فقال تعالى " وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم " ومن هنا فإن تصوير المحتاج وإشهار حاجته دون ضرورة معتبرة وفي أضيق نطاق، أو إستخدام معاناته لإستدرار التفاعل أو صناعة صورة دعائية للمتصدق. 




يخرج الصدقة من معنى الستر والجبر إلى معنى الإستعراض والإيذاء، فليس من الإحسان أن نطعم المحتاج بأيدينا ثم نطعنه في كرامته من خلال عدسات آلات التصوير، ولا أن نسدّ فاقته في الواقع ثم نفتح عليه أبواب التشهير في العالم الرقمي، ومن معالجة الإسلام لهذه الظاهرة أمرنا بالإخلاص وهو الحصن الأول الذي يحفظ الصدقة من أن تتحول من عبادة لله إلى وسيلة للظهور أمام الناس وإهدار كرامة المتصدق عليه، فالمتصدق إن إستحضر أن عطاءه لله، وأن الجزاء منه سبحانه، لم يحتج إلى تصوير إحسانه أو إعلان عطائه أو إظهار حاجة من أعانه، وقد قال تعالى " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " وكما ينبغي الحث على إخفاء الصدقة، حيث حث الإسلام على إخفاء الصدقة، وذلك صيانة لإخلاص المتصدق، وحفظا لكرامة المحتاج، وإبعادا للعطاء عن مظاهر الرياء والاستعراض. 




حيث قال تعالى " وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم " ومدح النبي صلي الله عليه وسلم من السبعة الذين يظلهم الله في ظله " ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتي لا تعلم شماله ما أنفقت يمينة " رواه البخاري، فكلما خفيت الصدقة كان ذلك أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن طلب المحمدة، وأشد صيانة لنفس المحتاج من أن تتحول حاجته إلى مشهد عام أو مادة للتفاخر، والإخفاء هنا ستر للمال وللإنسان، وصيانة لماء وجهه، وإعلاء لمعنى الرحمة على معنى الإستعراض، وكما ينبغي حفظ كرامة المتعففين، ويقصد بالمتعففين الذين تحول كرامتهم وحياؤهم دون سؤال الناس، فالشريعة لا تجعل السؤال شرطًا لإستحقاق العون، ولا تترك المحتاج حتى يضطر إلى كشف فاقته، بل تدعو إلى التعرف على أهل الحاجة، والبحث عن المتعففين، وإيصال الصدقة إليهم في ستر ولطف يحفظ حياءهم ويصون ماء وجوههم.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا