إستحضار النية في التوثيق المشروع
بقلم / محمـــد الدكـــروري
اعلموا أن من السلوكيات المسؤولة المطلوبة في هذه البيئة هو الإستئذان قبل تصوير الأشخاص فيما يمس خصوصيتهم، فالإذن أصل شرعي لا تفضّل إجتماعي، والإمتناع عن نشر ما يسيء إليهم ولو كان صحيحا، فليس كل صدق يذاع، وكذلك حذف المحتوى المؤذي والإعتذار عنه، فإن من تاب من ذنب في عرض فليستحل صاحبه، وكذلك الترفع عن إعادة النشر لمجرد الإثارة أو التندر، فالضحكة العابرة قد تكلف صاحبها حسناته يوم القيامة، وكذلك إستحضار النية في التوثيق المشروع، كتوثيق حق أو إثبات ظلامة أو نشر علم ونفع، فهذه مقاصد معتبرة تقدر بقدرها ولا يتوسع فيها، ويجتمع الحفاظ على البيئة الطبيعية والإنسانية والرقمية تحت قاعدة واحدة جامعة، هي التي قال فيها رسول الله صلي الله عليه وسلم " لا ضرر ولا ضرار " كلمتان إختصرتا منظومة الحقوق كلها.
ولذلك ينبغي أن يكون تعامل المسلم مع المكان والإنسان والتقنية قائما على سؤال واحد يعرض عليه فعله قبل أن يقع هل فعلي هذا يحقق نفعا مشروعا، أم يوقع ضررا في حق غيري؟ فإن الميزان واحد وإن تعددت الصور، فمن ألقى القمامة في الطريق أفسد بيئة الناس الحسّية، ومن لوّث الماء أضر بحياتهم وأرزاقهم، ومن أتلف شجرة عبثا أضر بالمصلحة العامة وبمن يأتي بعده، ومن صوّر إنسانا في وضع خاص ونشر صورته بما يوقع به الحرج والأذى فقد أفسد جانبا من البيئة الاجتماعية والأخلاقية، وجرح كرامة نفس كرّمها الله تعالى، وكل أولئك داخلون في عموم قوله تعالى " ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها " فالفساد في الأرض ليس لونا واحدا، ولا هو محصور في الدخان والنفايات والإستنزاف، بل يشمل كل ما يعكر صفو الحياة وينقص أمان الناس في أنفسهم وأعراضهم.
وإن البيئة في المفهوم الإسلامي هي المجال الذي يعيش فيه الإنسان ويتفاعل معه أرضه التي يطؤها، ومجتمعه الذي يخالطه، وفضاؤه الرقمي الذي يرتاده، فهي ثلاث دوائر يجمعها أصل واحد وهو أن الإنسان مستخلف مسؤول، وأن كل ما تحت يده أمانة سيسأل عنها أمام الله يوم العرض الأكبر، ولذلك يندرج تحت مفهوم المحافظة على البيئة صيانة الطبيعة من الإفساد والإتلاف، وصيانة المجتمع من الأذى والانتهاك، وصيانة الفضاء الرقمي من التشهير وإستباحة الخصوصية والإساءة، وذلك حتى يأمن الإنسان في بيته فلا يجد دخانا يخنقه ولا نفايات تحاصره، وفي مجتمعه فلا يجد لسانا يلمزه ولا يدا تؤذيه، وفي عالمه الرقمي فلا يجد عدسة تترصده ولا صورة تهتك ستره، فإذا إجتمعت هذه الأمور الثلاثة تحققت عمارة الأرض على وجهها الكامل.
وهي أرض نضرة نظيفة، ومجتمع رحيم متعاون، وفضاء طاهر آمن، وذلك هو معنى قوله تعالى " هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها " فإن عمارة الأرض لا تتم بتشجير الحدائق فحسب، ما لم تعمر القلوب بالرحمة، وتصان الأعراض بالستر، وتحفظ الكرامة التي من أجلها كرم الله ابن آدم، وأما عن علاج هذه الآفة هو تقوية الوازع الديني، فالإيمان يمنع الإساءة إلى الآخر أو التعدي عليه، ويدعو صاحبه إلى مراقبة الله تعالى في أحواله كلها فعن يحيى بن سعيد "أن عيسى ابن مريم لقي خنزيرا بالطريق، فقال له انفذ بسلام، فقيل تقول هذا لخنزير؟ فقال عيسى عليه السلام "إني أخاف أن أعوّد لساني النطق بالسوء" وكما أن من العلاج هو إستحضار مراقبة الله تعالى، وإجتناب تلك الآفة المذمومة يبدلك الله لذة وطمأنية في قلبك، وأيضا طلب الدعم والمساعدة ومعاقبة.
التعليقات الأخيرة