news-details
مقالات

حماية المجال العام وحرمة الكرامة: استحقاق سيادي وأخلاقي فوق الحصانات والخصومات

 


بقلم: أشرف عبد الحميد

تتعدى أزمة الخطاب العام في المجتمعات الفترات العابرة لتلامس جوهر العقد الاجتماعي؛ إذ لم يعد الانحدار اللفظي مجرد تجاوز فردي، بل أصبح يهدد بتدشين بيئة موازية تُنتَج فيها الإهانة كبديل للحوار، ويُتخذ فيها الترهيب والتشهير كوسيلة لفرض النفوذ والتصدر.

إن قراءة ما يجري في بعض اللقاءات والمؤتمرات الصحفية والسجالات الإعلامية الأخيرة تستدعي وقفة قومية موضوعية تسعى لتفكيك الظاهرة واحتوائها، دون الانزلاق إلى الخصومات الشخصية أو الإساءة لأي طرف، بل بالتركيز على حماية المجال العام وصون دولة القانون.

أولاً: تشخيص الأزمة.. بين التجاوز الفردي والبيئة الحاضنة

إن خطورة المشهد لا تكمن فقط في استرسال الشخصيات العامة في استخدام الألفاظ الخارشة أو توجيه الاتهامات والتهديدات أمام الكاميرات، بل في المناخ الاجتماعي والإعلامي الذي يُتيح لهذه الممارسات أن تتحول إلى مادة للاستهلاك والنجومية.

الخطاب العام بين الصرامة والتسيخ: حين يُمارس الابتذال كأنه نوع من الشجاعة، وتُقدّم الملاسنات كأنها حزم وفراسة، يُعاد تشكيل الوعي الجمعي بصورة ملتبسة تجعل من التعدي على حقوق الآخرين أسلوباً لإثبات الذات.

استباحة النساء والكرامة الشباكية: يزداد الأمر خطورة عندما يطال هذا الخطاب النساء أو الأعراض والذمم، ليُستخدم الترهيب اللفظي كأداة لإسكات الآخرين وضمان تراجعهم، وهو سلوك يضرب في عمق القيم الحضارية للمجتمع المصري.

وهم الحصانة فوق القانون: ترسخ لدى بعض الممارسين للخطاب الحاد انطباع بأن التواجد الإعلامي أو النفوذ يوفر درعاً يمنع المساءلة، مما يدفع لترديد الممارسات نفسها مراراً وتكراراً.

ثانياً: دولة القانون وحرمة المؤسسات

إن القيادة السياسية ومؤسسات الدولة الوطنية لم تُبنَ لتكون ساحة لتصفية الحسابات أو مرتعاً للأصوات العالية؛ فالدولة في مفهومها السيادي الأسمى هي سلطة القانون، والمساءلة، والمساواة الحاسمة أمام قواعد العدالة.

المساءلة لا تعني الوصاية: إن المطالبة بضبط الخطاب وإلزام الجميع بالحد الأدنى من أدبيات التعبير لا تعني تكميم الأفواه أو مصادرة حرية رأي، بل هي ترسيخ للفارق الجوهري بين حرية الاختلاف وبين التشريح اللفظي والتشهير والتحريض.

مواجهة التغاضي المؤسسي: إن استمرارية التعامل مع التجاوزات اللفظية على أنها "شأن داخلي" أو "خلافات شخصية" تُضعف من هيبة المنظومة؛ فصون حرمات المواطنين والمجال العام هو واجب أصيل من واجبات المؤسسات الضابطة للإعلام والقضاء.

ثالثاً: مسارات الإصلاح واستعادة عافية المجال العام

لضمان عدم تحول هذه المشاهد إلى سلوك مألوف ومطروح للاعتياد، يتطلب الأمر تبني استراتيجية حازمة على أكثر من مسار:

التطبيق النافذ للقوانين: تفعيل نصوص قانون العقوبات وقوانين تنظيم الإعلام ضد كل ممارسات التشهير، والسب والقذف، والتهديد، بغض النظر عن موقع الشخص أو خلفيته.

المسؤولية الإعلامية والأخلاقية: امتناع المنصات الإخبارية والصحف عن أن تكون بوقاً ينقل الشتائم أو يمنح شرعية للمؤتمرات التي تخرج عن أطر اللباقة ومواثيق الشرف الإعلامي.

إرساء ثقافة الحوار البديل: الاستثمار في التعليم والدراما والقوة الناعمة لإعادة الاعتبار لقيم الكرامة، والاحترام المتبادل، وصون حرمة المرأة والمجتمع.

«إن الخطر الحقيقي لا يكمن في مجرد حدوث التجاوزات اللفظية، بل في الاعتياد عليها والتساهل تجاه تكرارها؛ واستعادة انضباط المجال العام هي مسؤولية مجتمعية ومؤسسية تضمن صون قيم الأجيال القادمة، وتحفظ للدولة هيبتها وللمواطن كرامته.»

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا