الإستعجال داء خطير
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن النصر قادم لا محالة ودين الله غالب لا ريب في ذلك ولقد تحقق وعد الله لرسوله صلي الله عليه وسلم، ولكنكم تستعجلون، تستعجلون النصر تستعجلون الخير وكأنكم تريدون ثمرة بدون زرع شجرة ورعايتها، أو عسلا بدون وخذ أو لسع من نحلة، إن الاستعجال داء خطير، وهو موصل جيد لليأس والقنوط، فإن الأمل صفة الأنبياء عليهم السلام، وإنه الخطاب من الله تعالي لرسول الله صلي الله عليه وسلم يعلم أصحابه المضطهدين والملاحقين أن ينبئهم عن خبر نبي الله إبراهيم عليه السلام، يوم أن جاءته الملائكة مبشرين بغلام عليم فتعجب إبراهيم من قدرة الله أبعد الكبر والزوجة العاقر يكون الولد؟ كيف ذلك؟ إن قلبه مملوء بالأمل وهذا ما دفعه للدعاء، حتى بعد ما بلغ الثمانين من العمر يطلب الولد، ولكنه يسأل عن السبب والكيفية فكان الرد " قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين"
فوعد الله حق وقدرة الله حق وإرادة الله حق واعلم أن هذا الكون يسير بقدرة مقتدر لا يحتاج إلي سبب ليُوجد المسبب، والكون يسير بتدبير الله، بعلم الله، بحكمة الله، بلطف الله، فلم يتسرب اليأس يوما إلي قلبه لأنه لا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون، الضالون عن طريق الله، الذين لا يستروحون روحه، ولا يحسون رحمته، ولا يستشعرون رأفته وبره ورعايته، فأما القلب الندي بالإيمان، المتصل بالرحمن، فلا ييأس ولا يقنط مهما أحاطت به الشدائد، ومهما ادلهمت حوله الخطوب، ومهما غام الجو وتلبد، وغاب وجه الأمل في ظلال الحاضر وثقل هذا الواقع الظاهر فإن رحمة الله قريب من قلوب المؤمنين المهتدين، ويقول سيد قطب عن السيدة سارة زوجة الخليل إبراهيم عليه السلام، وكانت عقيما لم تلد وقد أصبحت عجوزا، ففاجأتها البشرى بإسحاق.
وهي بشرى مضاعفة بأن سيكون لإسحاق عقب من بعده هو يعقوب والمرأة وبخاصة العقيم يهتز كيانها كله لمثل هذه البشرى، والمفاجأة بها تهزها وتربكها وهو عجيب حقا، فالمرأة ينقطع طمثها عادة في سن معينة فلا تحمل، ولكن لا شيء بالقياس إلى قدرة الله عجيب ولا عجب من أمر الله، فالعادة حين تجري بأمر لا يكون معنى هذا أنها سنة لا تتبدل، وهذا نبي الله يعقوب عليه السلام، يفقد ابنه بنيامين متهما بالسرقة فيكون رد فعله " قال بل سولت لكم انفسكم امرا فصبر جميل عسي الله أن يأتيني بهم جميعا" كلمته ذاتها يوم فقد يوسف ولكنه في هذه المرة يضيف إليها هذا الأمل أن يرد الله عليه يوسف وأخاه فيرد ابنه الآخر المتخلف هناك " إنه هو العليم الحكيم" الذي يعلم حاله، ويعلم ما وراء هذه الأحداث والامتحانات، ويأتي بكل أمر في وقته المناسب.
عندما تتحقق حكمته في ترتيب الأسباب والنتائج، فهذا الشعاع من أين جاء إلى قلب هذا الرجل الشيخ؟ إنه الرجاء في الله تعالي، والاتصال الوثيق به، والشعور بوجوده ورحمته، ذلك الشعور الذي يتجلى في قلوب الصفوة المختارة، فيصبح عندها أصدق وأعمق من الواقع المحسوس الذي تلمسه الأيدي وتراه الأبصار، وهي صورة مؤثرة للوالد المفجوع يحس أنه منفرد بهمه، وحيد بمصابه،لا تشاركه هذه القلوب التي حوله ولا تجاوبه، فينفرد في معزل، يندب فجيعته في ولده الحبيب يوسف الذي لم ينسه، ولم تهوّن من مصيبته السنون، والذي تذكره به نكبته الجديدة في أخيه الأصغر فتغلبه على صبره الجميل، ويكظم الرجل حزنه ويتجلد فيؤثر هذا الكظم في أعصابه حتى تبيض عيناه حزنا وكمدا.
التعليقات الأخيرة