نبي الله يعقوب مع أولادة
بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد ذكرت المصادر الإسلامية الكثير عن قصة نبي الله يعقوب مع أولادة، وقيل أنه يبلغ الحقد بقلوب بنيه ألا يرحموا ما به، وأن يلسع قلوبهم حنينه ليوسف وحزنه عليه ذلك الحزن الكامد الكظيم، فلا يسرون عنه، ولا يعزونه، ولا يعللونه بالرجاء، بل يريدون ليطمسوا في قلبه الشعاع الأخير، وهي كلمة حانقة مستنكرة تالله تظل تذكر يوسف، ويهدك الحزن عليه، حتى تذوب حزنا أو تهلك أسى بلا جدوى، فيوسف ميئوس منه قد ذهب ولن يعود ويرد عليهم الرجل بأن يتركوه لربه، فهو لا يشكو لأحد من خلقه وهو على صلة بربه غير صلتهم، ويعلم من حقيقته ما لا يعلمون، فإذا أصابك مكروه فقل يا الله وإذا وقعت بك واقعة فقل يا الله وإذا مرضت فقل يا الله يا الله يا الله، وفي هذه الكلمات يتجلى الشعور بحقيقة الألوهية في هذا القلب الموصول.
كما تتجلى هذه الحقيقة ذاتها بجلالها الغامر، ولألائها الباهر، إن هذا الواقع الظاهر الميئس من يوسف، وهذا المدى الطويل الذي يقطع الرجاء من حياته فضلا على عودته إلى أبيه، واستنكار بنيه لهذا التطلع بعد هذا الأمد الطويل في وجه هذا الواقع الثقيل، وإن هذا كله لا يؤثر شيئا في شعور الرجل الصالح بربه، فهو يعلم من حقيقة ربه ومن شأنه ما لا يعلم هؤلاء المحجوبون عن تلك الحقيقة بذلك الواقع الصغير المنظور، وهذه قيمة الإيمان بالله ومعرفته سبحانه هذا اللون من المعرفة، معرفة التجلي والشهود وملابسة قدرته وقدره، وملامسة رحمته ورعايته، وإدراك شأن الألوهية مع العبيد الصالحين، وإن هذه الكلمات " وأعلم من الله ما لا تعلمون " تجلو هذه الحقيقة بما لا تملك كلماتنا نحن أن تجلوها وتعرض مذاقا يعرفه من ذاق مثله.
فيدرك ماذا تعني هذه الكلمات في نفس العبد الصالح يعقوب والقلب الذي ذاق هذا المذاق لا تبلغ الشدائد منه مهما بلغت إلا أن يتعمق اللمس والمشاهدة والمذاق، ثم يوجههم يعقوب إلى تلمس يوسف وأخيه، وألا ييأسوا من رحمة الله، في العثور عليهما، فإن رحمة الله واسعة وفرجه دائما منظور، فيا للقلب الموصول فيقول تحسسوا بحواسكم، في لطف وبصر وصبر على البحث ودون يأس من الله وفرجه ورحمته، وكلمة روح أدق دلالة وأكثر شفافية ففيها ظل الاسترواح من الكرب الخانق بما ينسم على الأرواح من روح الله الندي " إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون" فأما المؤمنون الموصولة قلوبهم بالله، الندية أرواحهم بروحه، الشاعرون بنفحاته المحيية الرخية، فإنهم لا ييأسون من روح الله ولو أحاط بهم الكرب، واشتد بهم الضيق.
وإن المؤمن لفي روح من ظلال إيمانه، وفي أنس من صلته بربه، وفي طمأنينة من ثقته بمولاه، وهو في مضايق ومخانق الكروب، ويقول تعالي " ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون" ريح يوسف كل شيء إلا هذا، فما يخطر على بال أحد أن يوسف بعد في الأحياء بعد هذا الأمد الطويل وأن له ريحا يشمها هذا الشيخ الكليل إني لأجد ريح يوسف لولا أن تقولوا شيخ خرف " لولا أن تفندون " لصدقتم معي ما أجده من ريح الغائب البعيد.
التعليقات الأخيرة