ماذا لو أن شخصا دائنا حصل على حكم إلزام لشخص المدين بسداد ما كان عليه من دين، سواء كان شخصا طبيعيا أو اعتباريا ، وإذ بتنفيذ هذا الحكم تعذر تنفيذه لعدم وجود ما يمكن التنفيذ عليه سواء كان عقارا أو منقولا أو مالا لدى المدين أو مال مملوك للمدين لدى الغير ، فما هو الإجراء القانوني الذي يمكن اتخاذه ضد المدين لإجباره على السداد ؟؟؟
وهل يمكن بموجب هذا الحكم في حال تعذر تنفيذه اعتباره كسند في تحرير محضر تبديد مبلغ مالي ناتج بموجبه؟؟؟
الحقيقة نحن بصدد إشكالية عملية تتطلب تدخل المشرع لمعالجتها ، لأن من آمن العقاب أساء الأدب ، ولأن المال يضمن حال وجوده، اما حال عدمه أو تهريبه بوسائل تخفيه عن عين من له الحق من الدائنين، سيضعف موقفهم في الحصول على مالهم من حقوق، وبالتالي يؤثر على حجية الأحكام القضائية واعتبارها هي والعدم سواء، مما يخلق مع الوقت افتقاد لعنصر الائتمان ويقلل من الإقبال على فرص الاستثمار لرؤؤس الأموال.
فالمتبع من إجراءات إذا تعذر تنفيذ الحكم لعدم وجود أموال ظاهرية للمدين (سواء كان شخصاً طبيعياً أو اعتبارياً)، فإن النظام القانوني (وفقاً للقانون المصري كمثال قياسي) يتيح عدة مسارات وإجراءات بديلة لاستقصاء الأموال أو الضغط على المدين.
أولاً: الإجراءات القانونية المتاحة عند تعذر التنفيذ.
= بالنسبة للشخص الطبيعي (الأفراد).
١- دعوى شهر الإعسار المدني.
إذا زادت ديون المدين المستحقة على أمواله، يجوز رفع دعوى لشهر إعساره؛ يترتب عليها غل يده عن التصرف في أي أموال مستقبلية، وتعيين حارس قضائي، إذا ثبت أنه أخفى أموالاً أو اصطنع ديوناً وهمية للإفلات من التنفيذ، يُعاقب جنائياً بجريمة التبديد أو الغش المدني.
٢- طلب التحري والاستعلام عبر قاضي التنفيذ.
يحق للدائن طلب تصريح من قاضي التنفيذ للتحري عن أموال المدين الخفية عبر الجهات الرسمية مثل (البنك المركزي لكشف الحسابات السرية، الشهر العقاري للبحث عن عقارات باسمه، المرور للبحث عن مركبات، أو البورصة).
٣- الدعوى غير المباشرة والدعوى البوليصية (دعوى عدم نفاذ التصرفات).
إذا قام المدين بتهريب أمواله أو بيعها صورياً لأقاربه لإظهار عسره، يحق للدائن إقامة دعوى لإبطال هذه التصرفات وإعادة الأموال لذمته المالية للتنفيذ عليها.
٤- المنع من السفر.
في بعض القوانين العربية، يجوز لقاضي التنفيذ إصدار أمر بمنع المدين من السفر كإجراء احترازي إذا ثبتت مماطلته.
ثانيا: بالنسبة للشخص الاعتباري (الشركات والمؤسسات).
١- دعوى إشهار الإفلاس (إذا كانت شركة تجارية).
إذا توقفت الشركة عن دفع ديونها التجارية نتيجة اضطراب مركزها المالي، يحق للدائن طلب شهر إفلاسها أمام المحكمة الاقتصادية، يتولى "أمين التفليسة" (المصفي) جرد وتصفية ما تبقى من أصول وتتبع أموال الشركة.
٢- دعوى المسؤولية الشخصية ضد المديرين.
إذا ثبت أن الشركاء أو المديرين في الشركة (مثل الشركات ذات المسؤولية المحدودة أو المساهمة) قد ارتكبوا غشاً، أو تدليساً، أو خلطوا بين أموالهم الشخصية وأموال الشركة لإخفائها، يجوز رفع دعوى لرفع "الغطاء المؤسسي" وإلزامهم بالسداد من أموالهم الخاصة.
٣- الجنحة المباشرة عن جريمة الإفلاس بالتدليس: إذا أسفرت إجراءات الإفلاس عن قيام مديري الشخص الاعتباري بإخفاء الدفاتر أو تهريب أموال الشركة، تقع بحقهم عقوبات جنائية سالبة للحرية.
ورغم هذه الإجراءات القانونية وان كان الإجراء تجاه الشخص الاعتباري أكثر ضمانا للدائن لأن الدائن بإمكانه اتخاذ إجراءات تسفر عن عقوبات جنائية في حق الشركات التي تهربت من سداد ما عليها من أموال وتنفيذ حكم القضاء، لكن بالنسبة للشخص الطبيعي لا يتوفر هذا الإجراء بناء على حكم ذيل بالصيغة التنفيذية وهو ما يدفعنا للتساؤل؟
هل يمكن اعتبار الحكم المزيل بالصيغة التنفيذية والصادر لصالح الدائن سنداً لتحرير محضر تبديد ضد المدين؟
الجواب للاسف لا.
١ـ وذلك لاختلاف العلة القانونية.
لان حكم الإلزام صادر عن علاقة مدنية أو تجارية (قرض، ثمن مبيع، مقاولة)، بينما محضر التبديد يتطلب لإقامته وقوع جريمة جنائية وهي "خيانه الأمانة"، والتي تستلزم وجود عقد من عقود الأمانة الخمسة (مثل إيصال أمانة، عقد وديعة، عارية استعمال) يتم بموجبه تسليم مال مادي فعلي ليقوم المتهم برده أو توصيله، فيقوم بتبديده لحسابه الشخصي.
٢- حظر الحبس لعدم القدرة على الوفاء.
تنص الاتفاقيات الدولية والقوانين الدستورية على أنه "لا يجوز حبس إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي"؛ وبالتالي فإن العسر المالي لا يشكل جريمة تبديد.
٣- خطورة اصطناع محضر التبديد.
إذا قمت بتحرير محضر تبديد استناداً إلى هذا الدين دون تسليم مالي فعلي كأمانة، يحق للمدين الطعن بالبراءة لـ "انتفاء ركن التسليم" ولـ "مدنية العلاقة"، بل وقد يعرضك ذلك للمساءلة القانونية بتهمة "البلاغ الكاذب.
وبناء عليه لا يجوز قانوناً استخدام حكم الإلزام المالي كسند لتحرير محضر تبديد (إيصال أمانة) ضد المدين الممتنع عن السداد، حيث يمنع القضاء الجنائي معاقبة الشخص جنائياً عن دين مدني خالص.
لذلك اخلص إلي ضرورة تدخل تشريعي لمواجهة هذه الثغرة لما فيها من اشكاليات عملية تعوق بداية حركة تداول رؤؤس الأموال وذلك لوعي شخص الدائن بما سيمكن أن تؤؤل إليه رؤوس الأموال حال تهرب المدين من ردها للدائن.
ضياع الحقوق للدائنين والتي نشأت بالفعل وتعذر حصولهم عليها رغم ما صدر لصالحهم من أحكام عجزوا عن تنفيذها وأصبحت رهينة الأدراج إلى أجل غير معلوم .
التعليقات الأخيرة