news-details
اشعار وخواطر

المحكمة الكبرى

 


حوار شعري
بقلم الكاتب الصحفي وشاعر البسطاء
سعيد سعيد أمام

دخل القاضي والمنادي صاح وقال محكمة

دق القاضي بالمطرقه وقال 
باسم الوجع والناس الغلابة

محكمة يحضر فيها الزمن
ويتحاكم فيها الغدر والخيانة والكآبة

محكمة ما فيهاش ستاير
ولا فيها أبواب مقفولة

كل واحد يدخلها
شايل حكايته المحمولة

القاضي قال
هاتوا أول شاهد

وقف القلب وقال
أنا قلب يا سيادة القاضي
عايز أتكلم من غير رتوش

تعبت من كتر ما سامحت
ومن كتر ما صدقت الوشوش

تعبت أداوي ألف جريح
وأرجع آخر الليل مجروح

وأضحك قدام الناس جميعا
وجوايا مدن من النوح

أنا قلبي كان بيت بسيط
بابه مفتوح للداخلين

كنت أحسب كل اللي يضحك
من الطيبين والمخلصين

لقيت اللي شرب من خيري
أول واحد باع السنين

واللي كنت بخاف عليه
كان سبب في دمع العين

القاضي قال
هاتوا العقل

وقف العقل وقال
يا سيادة القاضي
أنا شاهد على اللي جرى

القلب طيب زيادة عن اللزوم
وبيجري ورا أي بشرى

بيفتح بابه من غير سؤال
وبيصدق أول نظرة

ولما ينكسر ألف مرة

يرجع يلوم في الدنيا ويقول مرة

القلب صاح
يعني أنا المذنب
يعني الطيبة تبقى خطية

يعني الوفا في زمن المصالح
يبقى ضعف وسذاجة شوية

أنا كنت عايز حضن صادق
مش كنوز ولا قصور عالية

كنت عايز كلمة تطمني
وسط الدنيا الأنانية

العقل قال
الطيبة عمرها ما كانت عيب
بس لازم تبقى بعين

تدي للي يستاهل حبك
وتبعد عن قلبه الطين

مش كل اللي يضحك صاحب
ولا كل الدموع حنين

ولا كل اللي يحلف بعمرك
يصون العشرة لسنين

القاضي قال
هاتوا الزمن

دخل الزمن بخطوات هادية
وقال

أنا متهم من أول الدنيا
وما زلت نفس القضية

مرة يقولوا الزمن غدار
ومرة يقولوا الزمن خان

وأنا مجرد طريق طويل
يمشي عليه الإنسان

أنا مالي لو حد باع
أو خان عشرة أو أمان

أنا بس بكشف وجوه
كانت مستخبية زمان

القلب قال
بس سرقت مني ناس
خدت ضحكتي من سنين

علمتني أخاف من القرب
وأخبي دمع العين

الزمن قال
وانا أديتك دروس
ما تتشراش بالملايين

عرفتك معدن البشر
وفرقت بين الصادقين

القاضي قال
هاتوا الشاهد الرابع

دخلت الأم
شايلة تعب العمر كله

وقالت
أنا أم يا سيادة القاضي

بعت صحتي لراحة عيالي

كنت باكل آخر لقمة
علشان يكبروا في دلالي

ولما كبروا
بعضهم افتكر
وبعضهم نسي الليالي

بس برضه قلبي عليهم
ده دول كل رأس مالي

دخل الأب
وقال

أنا راجل جريت ورا الرزق
شيلت هموم فوق الهموم

وفي عز التعب كنت بخاف
أرجع لبيتي من غير لزوم

ما عرفتش أقول بحبكم

لكن كنت بموت عليكم

ولو ضاع العمر في عيونهم

يبقى العمر مش محسوب

دخل العاشق
وقال

أنا حبيت مرة بصدق
وخفت من كلمة بحبك

قولت بكرة
وبعده بكرة
لحد ما ضاع الحلم من إيدك

اتعلمت إن السكوت
ممكن يضيع عمر بحاله

وإن اللي خايف من الرفض
يخسر أجمل احتماله

دخل الصاحب المخدوع
وقال

أنا شيلت ناس فوق الراس
ولما وقعت ما لقيتهمش

قسمت لهم  اللقمة
ولما جعت ما شبعونيش

لكن اتعلمت يا حضرات
إن الخذلان مهما يكون

يغير اختيارات
 الإنسان
مش أصله ولا معدنه المصون

سكتت القاعة كلها
والقاضي نزل من مكانه

وبص في عيون الواقفين

وقال
بعد ما سمعنا الحكايات

ثبت للمحكمة يقينا
إن الدنيا مش عادلة دايما

لكن رب الدنيا عادل فينا

وإن الطيب مش خسران
حتى لو اتوجع سنين

وإن الخاين مهما ضحك
هيفضل أفقر المساكين

ثبت للمحكمة أيضا
إن القلب محتاج عقل

وإن العقل محتاج قلب

علشان يكملوا الطريق

وإن الإنسان الحقيقي

مش اللي عمره ما وقع

لكن اللي كل ما يقع
يقوم ويكمل وما ينخلع

ثبت للمحكمة
إن الأم أعظم معجزة

وإن الأب باب الأمان

وإن الحب لو كان صادق

يبقى نعمة من الرحمن

وإن الصاحب الجدع رزق
ما يتعوضش مهما كان

وإن اللي يبيع العشرة
يخسر نفسه قبل المكان

ثم رفع القاضي صوته
وقال

احكم باسم الوجع
إنه مش نهاية الطريق

واحكم باسم الدمع
إنه مش علامة غريق

واحكم باسم الصبر
إن الفرج آت لا يضيق

واحكم باسم رب العالمين

إن الحق راجع لا يضيع

خرج القلب من المحكمة
شايل وجعه القديم

لكن خطوته بقت أثبت
وصوته بقى مستقيم

بص للناس وقال
أنا مش ملاك
ولا بطل أسطوري عظيم

أنا بني آدم بسيط
بتعب وبحلم وأهيم

لكن عمري ما هبيع أصلي
ولا هخون عشرة سنين

ولا هكسر قلب بريء
علشان أكسب قرشين

هفضل أحب الخير
وأجبر خاطر المكسور

وأسيب في الدنيا سيرة
أحسن من ألقصور

ولو سألوني في يوم
بعد ما يخلص المشوار

إيه أغلى حاجة كسبتها
وسط الخسارة والانكسار

هقول
إني خرجت من كل معاركي
وقلبي لسه قلب إنسان

لسه يعرف الرحمة
ولسه يؤمن بالأمان

لسه يفرح للفرحة
ولسه يزعل للأحزان

ولسه شايف إن الطيبة
مش ضعف
لكن شجاعة الفرسان

وهقول للدنيا كلها
مهما تعبتوا من الليالي

إوعوا تخسروا نفسكم
وإوعوا تبيعوا الغوالي

خليكم أصل في زمن التقليد

وخليكم نور في الليل العتيق

وخليكم سند للموجوع

يمكن دعوة من قلب مكسور
تفتح ألف باب مقفول وتزيح المواجع

بقلم الكاتب الصحفي وشاعر البسطاء
سعيد سعيد أمام

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا