news-details
مقالات

صفقات الوهم: بيوت مثقلة بالديون تحت غطاء "الستر والوجاهة"

بقلم: أحمد الشبيتي

في كل يوم، تتكرر في شوارعنا وقرانا لوحة اجتماعية تدعو للتأمل والحسرة معاً؛ قوافل من السيارات الشاحنة المحملة بأحدث الأجهزة الكهربائية، وأفخم أطقم الأثاث، وتلال من المفروشات والملابس التي تسير في مواكب صاخبة. 

مشهد يُخيل لمن يراه لأول وهلة أنه استعراض للقوة المادية أو فيض من الرخاء والثراء. ثلاجات متعددة، غسالات بمواصفات خارقة، وأدوات منزلية لا حصر لها ولا عدّ، تفوق حاجة الأسرة الناشئة بأضعاف مضاعفة. حتى غدت الشقق السكنية الضيقة تعجز عن احتواء هذا السيل العارم من المقتنيات، فتُكدَّس الصناديق فوق بعضها البعض، وتُخزن في الممرات وتحت الأسرّة، وتتحول البيوت من سكن للراحة إلى مستودعات للأثاث المهجور.

وهنا يفرض السؤال العقلاني نفسه وبقوة: 
هل هذا الترف المصطنع يمثل ضرورة حقيقية لبناء بيت الزوجية؟ وهل تُستخدم هذه المقتنيات فعلاً؟ الواقع الصادم يخبرنا أن جزءاً كبيراً من هذه الأشياء يظل حبيس الغبار لسنوات طويلة، يصيبه التلف أو تتجاوزه الموضة دون أن يلمسه أحد، في هدر صارخ للمال والجهد.

حقيقة المأساة: فرحة مغسولة بدموع الديون
إن الجانب الأكثر إيلاماً في هذه الظاهرة، هو أن هذا التجهيز الأسطوري لا يأتي -في معظم الأحيان- من وفرة مالية أو فائض في الرزق، بل هو نتاج قروض بنكية تكسر الظهر، وديون متراكمة، وأقساط شهرية تخنق الأنفاس. يتحول فرح العمر، في غفلة من الوعي، إلى كابوس يؤرق مضاجع الآباء والأمهات، ويقضي الشباب زهرة عمرهم وسنوات شبابهم في سداد فواتير عادات اجتماعية بالية ومظاهر جوفاء لا تقدم في بناء الأسرة ولا تؤخر.

لقد انحرفت البوصلة، وصار البعض يشتري "نظرة الناس" و"كلام المجتمع" على حساب استقراره النفسي والمادي، فتحول الزواج من ميثاق غليظ وسكن روحي إلى صفقة تجارية ومباراة في التفاخر الكاذب.

الميزان الإلهي: المنهج الإسلامي في محاربة السَرف
لقد وضع لنا الدين الإسلامي الحنيف دستوراً واضحاً للحياة، يقوم على التوازن والاعتدال، وحذرنا أشد التحذير من مغبة الإسراف والتبذير والتفاخر الذي يدمر المجتمعات.
 
من القرآن الكريم:
 يقول الله سبحانه وتعالى محذراً من تجاوز الحد: 
﴿وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ 
ويصف سبحانه المبذرين بوصف تقشعر له الأبدان:
 ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ 
ويمتدح عباد الرحمن بوسطيتهم في النفقة: 
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾

من السنة النبوية المطهرة:
 يرسم لنا الرسول ﷺ حدود التعامل مع الماديات فيقول: 
"كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا فِي غَيْرِ مَخْيَلَةٍ وَلَا سَرَفٍ" 
وفي ذم التكلف والتظاهر بما ليس عند الإنسان، يقول ﷺ:
 "المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ" 
وعن بركة الزواج وتيسيره، يقول ﷺ: "أَعْظَمُ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مَؤُونَةً" 

الوعي الغائب: بمَ تُصان البيوت؟
إن "ستر البنت" وصيانة كرامتها لا تكون بأطنان الحديد والبلاستيك، ولا بعدد الشاشات والأجهزة، ولا بحشو الخزائن بملابس ومفروشات لن تُرتدى. 
إن الستر الحقيقي يصنعه حسن التربية، وتشييده الأخلاق الفاضلة، واختيار الزوج الصالح ذي الدين والمروءة، وتأسيس بيت مفعم بالمودة والرحمة.

هذا التنافس المحموم في المظاهر أنتج لنا واقعاً مأساوياً:
 1. عزوف الشباب عن الزواج وتأخر سنه بسبب التكاليف الإعجازية.
 2. تحول الآباء والأمهات إلى الغارمين والملاحقين قضائياً بسبب الكماليات.
 3. تفكك أسر حديثة ونشوء الطلاق المبكر نتيجة الضغوط المالية الخانقة في بداية الطريق.

نداء واستنهاض للوعي
إننا اليوم أمام مسؤولية مجتمعية وتاريخية تتطلب وقفة حاسمة وجادة من:
 الآباء والأمهات:
 بأن يتقوا الله في أنفسهم وفي أبنائهم، وأن يكسروا قيد "كلام الناس" الذي لا يرحم.
 العلماء والمشايخ والمثقفين: لتكثيف الخطاب التوعوي، وإطلاق مبادرات شعبية لتيسير الزواج، وتحديد سقف منطقي للمستلزمات.
 كبار العائلات والوجهاء:
 ليكونوا قدوة في تزويج أبنائهم وبناتهم بيسر وبساطة، فصاحب المكانة هو من يقود التغيير الإيجابي.

خاتمة
المجتمع الواعي لا يُقاس بحجم المتاع المحمول على ظهر السيارات يوم الزفاف، بل يُقاس بعدد الأسر المستقرة الهادئة التي تبحر في سفينة الحياة بلا ديون تنغص عيشها، ولا خلافات مادية تعصف بأمنها.

فلنخفف العبء عن كاهل بعضنا البعض، ولنجعل من الزواج بوابة لبداية حياة سعيدة مطمئنة، لا بداية لرحلة شقاء طويلة خلف الأقساط والديون. فخير الأمور أوساطها، وأجمل البيوت وأكثرها دفئاً ليست تلك التي تكتظ بالأثاث، بل تلك التي تعمر بالسكينة، والرضا، والبركة.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا