بقلم الدكتور:- إبراهيم حامد عبداللاه
أستاذ الأدب الألمانى-عميد كلية الألسن
رئيس قسم اللغة الألمانية كلية الآداب..
جامعة بنى سويف
لطالما ارتبطت الجامعة في المخيلة العامة بالحرية الفكرية والبحث عن الحقيقة وإنتاج المعرفة بعيداً عن الضغوط السياسية والاقتصادية. غير أن دراسة أكاديمية حديثة للباحث التركي متين بوشناق تطرح سؤالاً صادماً: هل تحولت الجامعات الحديثة إلى بيئات تُكافئ المجاملة والتكيف أكثر مما تُكافئ الصراحة والنقد العلمي الحقيقي؟
في دراسته المعنونة "المؤسسة الخاضعة للفحص: التملق والجبن المعرفي والاقتصاد السياسي للمديح الأكاديمي"، يقدم بوشناق تحليلاً نقدياً عميقاً لبنية الجامعة المعاصرة، ويرى أن المؤسسات الأكاديمية، خاصة في النموذج البحثي السائد في العالم الناطق بالإنجليزية، باتت تنتج شكلاً جديداً من التملق المؤسسي الذي يؤثر سلباً في جودة المعرفة العلمية.
الجامعة وقصر الملك
ينطلق الباحث من مقارنة لافتة بين الجامعات الحديثة والبلاطات الملكية القديمة، مثل بلاط فرساي في فرنسا. ففي كلا النموذجين تتجمع مصادر الاعتراف والمكانة الاجتماعية في أيدي نخبة محدودة تمتلك القدرة على منح الشرعية أو حجبها عن الآخرين.
في هذا السياق، يصبح الأكاديمي معتمداً على تقييمات زملائه ولجان الترقية والمحكمين والجهات المانحة للتمويل. وبدلاً من أن يكون النقد الصريح هو القاعدة، تتشكل بيئة تدفع الباحثين إلى الحذر المفرط وتجنب المواجهة الفكرية المباشرة خوفاً من خسارة الفرص المهنية أو المكانة العلمية.
ويرى بوشناق أن هذه البنية لا تحتاج إلى أوامر مباشرة أو رقابة صريحة، بل تخلق تلقائياً سلوكيات التكيف والمجاملة بوصفها الخيار الأكثر أماناً للنجاح الأكاديمي.
مراجعة الأبحاث: حين يختفي النقد الحقيقي
يخصص الباحث جانباً مهماً من دراسته لنظام التحكيم العلمي الذي يُفترض أنه الضامن الأساسي لجودة المعرفة المنشورة.
ففي النظرية، تتيح سرية التحكيم للخبراء تقييم الأبحاث بموضوعية كاملة. لكن الواقع، بحسب الدراسة، مختلف تماماً. ففي التخصصات الضيقة غالباً ما يستطيع المحكمون معرفة هوية الباحثين من خلال أسلوب الكتابة أو قائمة المراجع أو التوجهات النظرية المستخدمة.
هذا الوضع يدفع كثيراً من المحكمين إلى تخفيف حدة انتقاداتهم أو تمرير أبحاث يعتقدون أنها تحتاج إلى مراجعات جوهرية، خشية الدخول في صراعات مهنية أو التأثير في علاقاتهم المستقبلية داخل المجتمع الأكاديمي.
ويصف بوشناق هذه الظاهرة بمفهوم "الجبن المعرفي"، أي التردد في التعبير عن التقييم العلمي الحقيقي بسبب الاعتبارات الاجتماعية والمهنية.
اقتصاد الاستشهادات وصناعة الشهرة
من أبرز القضايا التي تناقشها الدراسة أيضاً ما يعرف بـ"تأثير ماثيو"، وهو الميل إلى منح الباحثين المشهورين مزيداً من الاعتراف والاقتباسات لمجرد أنهم مشهورون أصلاً.
في هذه البيئة، تتحول الاستشهادات العلمية إلى نوع من رأس المال الرمزي. فالاستشهاد بأسماء بارزة يمنح الباحث شرعية إضافية، بينما يصبح توجيه النقد الصريح لهذه الأسماء خطوة محفوفة بالمخاطر.
ونتيجة لذلك، تتضخم شهرة بعض الباحثين بصورة ذاتية، بينما تتراجع فرص الأفكار الجديدة أو الأصوات الناشئة في الحصول على الاهتمام نفسه، بغض النظر عن قيمتها العلمية الفعلية.
العلاقة بين المشرف والباحث
تتوقف الدراسة مطولاً عند علاقة الإشراف على رسائل الدكتوراه، باعتبارها إحدى أكثر العلاقات الأكاديمية حساسية.
فالمشرف يمتلك تأثيراً كبيراً على مستقبل الطالب العلمي والمهني، بدءاً من تقييم الرسالة وصولاً إلى التوصيات وفرص العمل والشبكات الأكاديمية.
وفي ظل هذا التفاوت في القوة، يجد كثير من الباحثين الشباب أنفسهم مضطرين إلى تبني توجهات مشرفيهم النظرية والمنهجية، حتى عندما يملكون قناعات مختلفة. وهكذا تتحول بعض برامج الدراسات العليا إلى عملية إعادة إنتاج للأفكار القائمة بدلاً من تشجيع الابتكار والاستقلال الفكري.
التمويل البحثي وتوجيه الأسئلة العلمية
يشير بوشناق إلى أن الاعتماد المتزايد على المنح التنافسية أدى إلى تغيير طبيعة البحث العلمي نفسه.
فالباحث لم يعد يطرح بالضرورة الأسئلة التي يراها أكثر أهمية من الناحية المعرفية، بل تلك التي يعتقد أنها أكثر قدرة على جذب التمويل. وتصبح مفاهيم مثل "التأثير المجتمعي" و"الأولوية الوطنية" و"العائد الاقتصادي" عوامل حاسمة في تحديد الموضوعات البحثية.
ويرى الباحث أن هذا التحول يجعل الأكاديميين أكثر ميلاً إلى تكييف مشاريعهم بما يتوافق مع أولويات الجهات الممولة، حتى لو جاء ذلك على حساب الاستقلال الفكري أو الأصالة العلمية.
المؤتمرات العلمية بين الحوار والاستعراض
إن المؤتمرات الأكاديمية، التي يفترض أن تكون فضاءات للنقاش المفتوح وتبادل النقد البناء، لم تسلم هي الأخرى من هذه الظاهرة.
فبحسب الدراسة، أصبحت كثير من جلسات النقاش مليئة بالمداخلات المجاملة أو الأسئلة التي تهدف إلى إظهار خبرة المتحدث أكثر من رغبتها في اختبار الأفكار المطروحة.
وبدلاً من أن تكون المؤتمرات منصات لتطوير المعرفة عبر النقد الجاد، تتحول أحياناً إلى مناسبات لتبادل الاعترافات المتبادلة وتعزيز العلاقات المهنية.
معايير النشر العالمية وإقصاء الأصوات المختلفة
يتوسع الباحث في نقد أنظمة التصنيف العالمية للمجلات العلمية، مثل قواعد البيانات الدولية ومؤشرات الاقتباس الشهيرة.
فبينما تُقدَّم هذه الأنظمة باعتبارها أدوات موضوعية لقياس الجودة، يرى بوشناق أنها تفرض معايير فكرية ومنهجية محددة تُفضل أنماطاً معينة من المعرفة على حساب غيرها.
وتصبح المشكلة أكثر وضوحاً في دول الجنوب العالمي، حيث يضطر الباحثون إلى النشر باللغة الإنجليزية واتباع الأجندات النظرية السائدة في الجامعات الغربية إذا أرادوا تحقيق التقدم المهني.
وبذلك لا يتم فقط تهميش الأبحاث غير التقليدية، بل قد تُستبعد أيضاً تقاليد فكرية كاملة لأنها لا تتوافق مع المعايير المهيمنة عالمياً.
نحو جامعة أكثر شجاعة
لا تكتفي الدراسة بتشخيص المشكلة، بل تدعو إلى بناء ثقافة أكاديمية جديدة تقوم على ما يسميه الباحث "الصراحة المعرفية".
ويتطلب ذلك تعزيز الحماية المؤسسية للنقد العلمي، وتطوير أنظمة تحكيم أكثر استقلالاً، وتنويع الإشراف الأكاديمي، وإعادة النظر في معايير التقييم والتمويل والنشر.
كما يؤكد الباحث أن المسؤولية لا تقع على المؤسسات وحدها، بل تشمل أيضاً الأكاديميين أنفسهم، الذين ينبغي أن يتحلوا بالشجاعة الفكرية اللازمة لتقديم تقييمات صادقة حتى عندما تكون مكلفة مهنياً. إن دراسة متين بوشناق تقدم صورة نقدية جريئة للجامعة المعاصرة، وتدعو إلى إعادة التفكير في البنية التي تحكم إنتاج المعرفة العلمية. فالمشكلة، بحسب الدراسة، لا تكمن في أفراد يسعون إلى المجاملة، بل في منظومة كاملة تجعل المجاملة خياراً عقلانياً ومربحاً.
ويبقى السؤال مفتوحاً أمام الجامعات حول العالم: هل تستطيع مؤسسات البحث العلمي استعادة دورها كفضاءات للحقيقة والنقد الحر، أم أن اقتصاد الاعتراف والتمويل والشهرة سيواصل فرض منطقه على المعرفة الأكاديمية؟ هذا السؤال، كما يرى الباحث، لا يتعلق بمستقبل الجامعات فقط، بل بمستقبل المعرفة نفسها.
التعليقات الأخيرة