news-details
مقالات

من هنا نبدأ ... النسيان...                 وجه خفي من وجوه رحمة الله

د.م. مدحت يوسف
12 يونيو 2026

في زخم الحياة المتسارع وبين تقلبات الأيام وأحداثها المتلاحقة يعيش الإنسان رحلة ممتدة بين الرضا والسخط وبين العطاء والمنع وبين الفرح والحزن وبين ما تحقق من أمنيات وما زال معلقاً في سماء الرجاء. وبينما ننشغل بالسعي وراء ما نريد ونرهق أنفسنا بالتفكير فيما نفتقده كثيراً ما نغفل عن نعم عظيمة تحيط بنا في كل لحظة حتى أصبحت من فرط اعتيادنا عليها وكأنها أمور بديهية لا تستحق التأمل.

نعم نراها بأعيننا فنحمد الله عليها. ونعم ننتظرها وندعوه أن يحققها لنا. ونعم أخرى لا نلتفت إليها رغم أننا نعيش آثارها كل يوم. والحقيقة التي ينبغي أن تستقر في القلوب قبل العقول أن نعم الله سبحانه وتعالى أكبر من أن تحصى وأعظم من أن يدركها الإنسان مهما بلغ من العلم والفهم. قال الله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

ومن بين هذه النعم الخفية التي تمر على كثير من الناس دون أن يتوقفوا عندها نعمة النسيان. نعم النسيان الذي يراه البعض ضعفاً أو نقصاً بينما هو في كثير من صوره رحمة إلهية عظيمة تحفظ للإنسان اتزانه النفسي واستقراره العاطفي وقدرته على مواصلة الحياة.

تأمل مسيرة حياتك. كم من موقف ظننت أنه نهاية الطريق. وكم من أزمة ضاقت بها نفسك حتى حسبت أن الفرج بعيد. وكم من خسارة أو ألم أو خذلان أو ظلم استنزف مشاعرك وأرهق قلبك. ثم مضت الأيام وتعاقبت الشهور والسنوات فإذا بذلك الألم الذي كان يسيطر على تفكيرك قد تراجع أثره أو اختفى كثير من حضوره حتى أصبح مجرد ذكرى لا تملك عليك ما كانت تملكه من قبل.

ولو أن الإنسان احتفظ بكل أحزانه بنفس قوتها الأولى وبكل جراحه بنفس عمقها الأول وبكل صدماته بنفس تأثيرها الأول لما استطاع أن يعيش حياة مستقرة ولتحولت ذاكرته إلى مخزن هائل من الأوجاع المتراكمة التي تستنزف روحه وتمنعه من التقدم. ولكن الله سبحانه وتعالى الذي خلق النفس الإنسانية ويعلم دقائقها ولطائفها جعل النسيان باباً من أبواب رحمته ووسيلة من وسائل التخفيف عن عباده حتى تستمر الحياة ويستطيع الإنسان أن ينهض بعد عثرته وأن يبتسم بعد حزنه وأن يبدأ من جديد بعد كل تجربة مؤلمة.

غير أن الحديث عن النسيان بوصفه نعمة لا يعني أن كل نسيان محمود. فكما أن في النسيان رحمة فإن فيه ما قد يكون غفلة وتقصيراً.

فالنسيان المحمود هو نسيان الألم الذي يعطل الإنسان عن الحياة ونسيان الإساءة التي تغذي الأحقاد ونسيان الجراح التي تمنع القلب من العفو والتسامح. وهو النسيان الذي يمنح النفس فرصة للتعافي ويعيد إليها قدرتها على البناء والعمل والعطاء. هذا النوع من النسيان نعمة لأنه يحرر الإنسان من أسر الماضي ويمنحه القدرة على التطلع إلى المستقبل بثقة وأمل.

أما النسيان المكروه فهو نسيان الواجبات والأمانات ونسيان الحقوق ونسيان فضل الناس وإحسانهم ونسيان ذكر الله وشكره ونسيان الدروس والعبر التي تعلمناها من تجارب الحياة. وهذا النوع من النسيان لا يبني الإنسان بل يضعفه ولا يصلح حياته بل يربكها لأنه يؤدي إلى تكرار الأخطاء وضياع الحقوق وفساد العلاقات.

ومن هنا تتجلى الحكمة الحقيقية. فليست السعادة في أن يتذكر الإنسان كل شيء وليست الراحة في أن ينسى كل شيء. وإنما التوفيق أن يرزقه الله القدرة على أن ينسى ما يؤذيه وأن يتذكر ما ينفعه. أن ينسى الإساءة ويبقى محتفظاً بالدرس. وأن ينسى الألم ويبقى محتفظاً بالحكمة. وأن ينسى ما يثقله ويبقى متذكراً ما يقربه إلى الله ويرتقي به في حياته.

إن المؤمن حين يتأمل هذه المعاني يدرك أن تدبير الله له أعظم من تدبيره لنفسه وأن رحمة الله تحيط به في أمور قد لا ينتبه إليها. فالله سبحانه لا يعطي إلا بحكمة ولا يمنع إلا بحكمة ولا يبتلي إلا لحكمة. وإذا أنزل البلاء أنزل معه من الصبر ما يعين على احتماله ومن الرحمة ما يخفف آثاره ومن الأجر ما يعوض صاحبه أضعاف ما فقد.

ولذلك فإن من أعظم مظاهر الإيمان أن يحسن الإنسان الظن بربه في كل أحواله وأن يعلم أن ما يمر به من أحداث ليس عبثاً وأن وراء كل قدر حكمة قد ندركها اليوم أو ندركها بعد سنوات أو قد تبقى في علم الله حتى نلقاه.

فلنحمد الله على نعمه الظاهرة والباطنة. على ما نعلم منها وما لا نعلم. على ما نتذكره وما ننساه. على ما أعطى وما منع. على ما تحقق وما تأخر. فربما كان في بعض النسيان من الرحمة ما يفوق في أثره كثيراً من العطاء. وربما كانت بعض الذكريات لو بقيت حاضرة في قلوبنا كما كانت سبباً في شقائنا وتعطلنا عن أداء رسالتنا في الحياة.

إنها نعمة عظيمة لا يلتفت إليها كثير من الناس. نعمة تؤكد أن لنا رباً رحيماً لطيفاً حليماً يعلم ضعفنا قبل أن نشكو ويعلم حاجتنا قبل أن نسأل ويمنحنا من أوجه الرحمة ما لا ندرك قيمته إلا بعد أن نتأمل نعم الله بعين البصيرة لا بعين العادة.

فالحمد لله على رحمة نراها والحمد لله على رحمة لا نراها. والحمد لله على نعم ظاهرة ونعم خفية. والحمد لله على نعمة النسيان التي جعلها سبحانه بلسمًا للقلوب ووسيلة لاستمرار الحياة ووجهاً خفياً من وجوه رحمته التي وسعت كل شيء.
خطى الوعي DrEng Medhat Youssef Moischool نعمة النسيان نعم الله و فضله و لله الحمد

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا