news-details
مقالات

من ترعة الإسماعيلية إلى الدلتا الجديدة.. عندما تصنع المياه حضارة بقلم: أزهار عبد الكريم – جريدة الأضواء المصريه

هناك أماكن لا تمر بها المياه فقط بل يمر بها التاريخ أيضاً. وترعة الإسماعيلية واحدة من تلك الأماكن التي لم تكن مجرد مجرى مائي يشق الأرض بل كانت مشروعا غير وجه منطقة كاملة وحول الصحراء إلى حقول، والقرى الصغيرة إلى مدن نابضة بالحياة.
منذ أن وصلت مياه الترعة إلى أراضي القليوبية بدأت رحلة جديدة. الأرض التي كانت تنتظر المطر أصبحت تزرع طوال العام وامتلأت الحقول بالقمح والذرة والقطن والخضروات ووجد الفلاح في الماء حياة وفي الأرض رزقا وفي الزراعة مستقبلا لأبنائه.
لكن الحكاية لم تتوقف عند حدود الزراعة. ولم يكن أثر ترعة الإسماعيلية مقتصراً على الحقول الخضراء بل امتد ليصنع نهضة صناعية مازالت آثارها واضحة حتى اليوم . فالمياه التي أنبتت الزرع
أصبحت عنصراً أساسياً فى قيام العديد من المشروعات الصناعية الكبرى. وعلى ضفاف ترعة الإسماعيلية وفي منطقة مسطرد تحديداً حيث يلتقي التاريخ بالصناعة، قامت واحدة من أهم القلاع الصناعية فى مصر .حيث مناطق الصناعات ومعامل تكرير البترول ومصانع البتروكيماويات.لتتحول إلي مركزاً اقتصادي يمد البلاد بمنتجات استراتيجية ويفتح ابواب العمل أمام آلاف المواطنين. ولم يكن اختيار هذا الموقع مصادفة، بل جاء نتيجة توافر المياه وقربه من شبكة النقل والسكك الحديدية وموقعه الاستراتيجي القريب من القاهرة.
وهكذا أصبحت ترعة الإسماعيلية شرياناً يغذي المصانع كما يغذي الحقول. فمن حولها نشأت معامل تكرير البترول، ومصانع البتروكيماويات، وتوسعت المناطق الصناعية التي وفرت آلاف فرص العمل لأبناء القليوبية والمحافظات المجاورة وأسهمت في دعم الاقتصاد الوطني لعقود طويلة.
وإذا كانت سنابل القمح على ضفاف الترعة تعلن موسم الحصاد فإن مداخن المصانع كانت تعلن بداية عصر صناعي جديد، لتجتمع الزراعة والصناعة في مكان واحد في صورة تعكس قدرة المصري على استغلال موارده لبناء مستقبل أفضل.
واليوم ونحن نتابع المشروعات القومية الحديثة ندرك أن الفكرة لم تتغير.  فكما كانت ترعة الإسماعيلية سبباً في قيام مجتمعات زراعية وصناعية متكاملة تعمل الدولة الآن على إنشاء مناطق صناعية ولوجستية جديدة بالقرب من محاور النقل والمشروعات الزراعية الكبرى في نموذج يقوم على التكامل بين الماء والأرض والصناعة والإنسان.
إن من يقف على ضفاف ترعة الإسماعيلية لا يرى مجرد مجرى للمياه، بل يرى كتابا مفتوحا يحكي كيف تحولت قطرة الماء إلى حقل ثم إلى مصنع ثم إلى مدينة كاملة يعيش فيها مئات الآلاف. وربما لهذا السبب ظلت الترعة منذ حفرها وحتى اليوم واحدة من أهم الشرايين التي ساهمت في رسم ملامح التنمية في القليوبية ومصر كلها.
وإذا كان نهر النيل هو شريان مصر الأكبر فإن ترعة الإسماعيلية كانت أحد الشرايين التي حملت الحياة إلى القليوبية فأنبتت زرعا، وأقامت مصنعاً، وبنت مدينة، وفتحت باب رزق لأجيال ما زالت تدين للماء بأول خطوة في طريق التنمية.
وبعد أكثر من قرن ونصف على حفر ترعة الإسماعيلية تعود مصر لتكتب فصلاً جديداً من القصة نفسها من خلال مشروع الدلتا الجديدة أحد أكبر مشروعات التوسع الزراعي في تاريخ البلاد والذي يستهدف تحويل مساحات شاسعة من الصحراء إلى أرض منتجة بالاعتماد على أحدث تقنيات الري وإدارة الموارد المائية.
الفكرة واحدة، وإن اختلف الزمان والمكان . ففي الماضي كانت الترع هي وسيلة نقل الحياة إلى الأرض أما اليوم فتشاركها محطات معالجة المياه، وشبكات الري الحديثة والطرق والمحاور العملاقة لتصنع خريطة تنموية جديدة تمتد إلى قلب الصحراء.
وهنا يظهر الرابط العميق بين الأمس واليوم فكما أسهمت ترعة الإسماعيلية في تشكيل ملامح القليوبية وأسست لنهضة زراعية وصناعية ما زالت آثارها باقية تسعى الدلتا الجديدة إلى تكرار التجربة على نطاق أوسع لتضيف ملايين الأفدنة إلى الرقعة الزراعية وتخلق مجتمعات جديدة وفرص عمل لأجيال قادمة.
إن التاريخ يعلمنا أن المشروعات القومية ليست مجرد خرسانة وحديد بل هي قرارات تغير حياة البشر. ترعة حفرت قبل أكثر من مئة وخمسين عاماً ما زالت تمنح الخير حتى اليوم ومصانع قامت على ضفافها أصبحت جزءاً من الاقتصاد الوطني ومشروع جديد يمتد في الصحراء يحمل الحلم نفسه أن تصل المياه إلى الأرض فتصل معها الحياة.
ولعل أجمل ما يمكن أن يتأمله أبناء القليوبية وهم يقفون على ضفاف ترعة الإسماعيلية أنهم لا ينظرون إلى مجرى مائي فقط، بل إلى بداية حكاية طويلة كتبتها قطرة  وما زالت حتى اليوم تلهم مشروعات جديدة ترسم ملامح مستقبل مصر.
فبين ترعة الإسماعيلية والدلتا الجديدة خيط واحد لا ينقطع عنوانه أن الأمم العظيمة تعرف كيف تحول الماء إلى تنمية والأرض إلى إنتاج والحلم إلى واقع يعيشه الناس كل يوم.

 

من ترعة الإسماعيلية إلى الدلتا الجديدة.. عندما تصنع المياه حضارة 
بقلم: أزهار عبد الكريم – جريدة الأضواء المصريه

 

 

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا