البعد عن مظاهر الأنانية والجشع
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إعلموا أن رسالة الإسلام رسالة إنسانية وبر، ورحمة ورقي تهدف إلي أن يحيا الناس حياة كريمة في ظل مجتمع متعاون متكافل علي أساس من المواساة والشعور بالآخرين والبعد عن مظاهر الأنانية والأثرة والجشع ولقد أمرنا الله سبحانه وتعالي في الكثير من آيات كتابه بهذا المبدأ العظيم وهو مبدأ التكافل، وحثنا على الإحسان إلى كل من يحتاج إلى ذلك، وكما حث أيضا رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الأمر المهم، وكان أول العاملين به، فهو القائل صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه " أنا أولى بكل مسلم من نفسه، من ترك مالا فلورثته، ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعليّ" وأرشد الأمة صلى الله عليه وسلم إلى هذا المبدأ، مبينا لمكانته العظيمة من دين الله عز وجل، فيقول صلى الله عليه وسلم "من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له" رواه مسلم.
وإنه عندما يسمع الإنسان كلمة السلام يخطر في باله تلك الحمامة البيضاء التي تحمل غصنا من الزيتون، ففحوى السلام هو البياض هو الحب والأمان والاستقرار هو رؤية الغد دون مشاهد من الدماء ودون صرخات من الأطفال دون أن يستيقظ الإنسان ليفتح نشرة الأخبار ليبحث عن المدينة التي قرر الموت زيارتها، وإن السلام بمفهومه السلمي هو أمنية ورغبة أكيدة يتمناها كل إنسان يعيش على هذه الارض، فالسلام يشمل أمور المسلمين في جميع مناحي الحياة ويشمل الأفراد والمجتمعات والشعوب والقبائل، فإن وجد السلام انتفت الحروب والضغائن بين الناس، وعمت الراحة والطمأنينة والحرية والمحبة والمودة بين الشعوب، وإن السلام ضرورة حضارية طرحها الإسلام منذ قرون عديدة من الزمن باعتباره ضرورة لكل مناحي الحياة البشرية، ابتداء من الفرد وانتهاء بالعالم أجمع فبه يتأسس ويتطور المجتمع، والإسلام دين السلام بمعناه العام، سلام مع المسلم وغير المسلم.
وسلام مع الإنسان بعامة سلام مع الكائنات الحية، سلام مع الجمادات سلام مع الكون بأكمله، ولذا كان الإسلام من السلام، ومن يتأمل منزلة السلام في الإسلام يجدها في درجة عالية من الأهمية، فقد جعل الله تحية المسلمين بهذا اللفظ، للإشعار بأن دينهم دين السلام والأمان، وهم أهل السلم ومحبو السلام، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن الله جعل السلام تحية لأمتنا، وأمانا لأهل ذمتنا " وما ينبغي للإنسان أن يتكلم مع إنسان قبل أن يبدأه بكلمة السلام، فيقول رسول الاسلام صلى الله عليه وسلم" السلام قبل الكلام " وسبب ذلك أن السلام أمان، ولا كلام إلا بعد الامان، فتكمن أهمية السلام في تحقيِق الغاية، والهدف من وجود الإنسان على كوكب الأرض وهي العبادة، فلا يمكن لشخص أن يعبد الله تعالى مع وجود الحروب وإمكانية الغدر به، لذلك فهو بحاجة للسلام والأمان من أجل إقامة شعائره بحرية وإتقان، تماسك أفراد المجتمع معا وتطور المجتمع وبالتالي زيادة قوة الأمة الإسلامية.
فالنجاح في الأعمال والتقدم والتطور في جميع المجالات تحتاج إلى السلام والأمان، وسير حياة الإنسان بالشكل الصحيح، فيمكن له تنشيط العلاقات الاجتماعية مع الآخرين، والتحرك بسهولة وبحرية من دون ترقّب وتخوف، وبالتالي يستطيع القيام بأعماله وإجراء الزيارات، والشعور بالفرح والسرور في الحياة، وكذلك حماية المجتمع من إنتشار الفساد والمشاكل الاجتماعية والإقتصادية، وإن التكافل الإجتماعي والمجتمعي هو أمر عظيم من أمور الإسلام، وهو أمر حث عليه الله سبحانه في كتابه العزيز وأرشد إليه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في الكثير من أقواله وأفعاله، إنه مبدأ التكافل الاجتماعي، مبدأ تكاتف المسلمين بعضهم مع بعض، مبدأ تفقد المسلمين بعضهم لبعض، مبدأ إعانة المسلمين بعضهم بعضا، هذا المبدأ الذي كان من المفترض أن يتعامل به المسلم مع أخيه المسلم مهما ابتعدت بينهما الأجناس والأرحام أصبح غائبا حتى بين من تربطهم الرحم والقرابة.
فلا يدري بعضهم عن بعض شيئا، بل قد ترى إنسانا يكاد يتفجر من الغنى والأموال وأقرب الناس إليه تحت خط الفقر ولا يشعر نحوه بشيء، فالله المستعان، والتكافل لغة من الكفل والكفالة، والكفالة معناها الضمان، تقول تكفلت بالشيء أي ضمنته، ويتمثل التكافل الاجتماعي في التعاون بين المسلمين وتناصحهم وموالاة بعضهم لبعض، ويتمثل في مساعدة الفقراء والمساكين والمحتاجين بأن يساهم المسلمون في توفير حاجاتهم وتخفيف معاناتهم، ويتمثل أيضا في مساعدة الأيتام وكفالتهم، وفي مساعدة الأرامل وتوفير احتياجاتهن إلى غير ذلك، وهذا تحريك لشعور المسلمين وأحاسيسهم حتى يتضامنوا ويتعاونوا على البر والتقوى، وحتى يحس من عنده شيء من فضل الله بمعاناة وشعور من ليس عنده فيعطيه مما عنده، ويقول الإمام النووي في شرح هذا الحديث " في هذا الحديث الحث على الصدقة والجود والمواساة والإحسان إلى الرفقة والأصحاب، والاعتناء بمصالح الأصحاب، وأمر كبير القوم أصحابه بمواساة المحتاج"
التعليقات الأخيرة