news-details
محافظات

الفارس الذي لم يأتِ

 

 
محمود سعيدبرغش 

في قرية صغيرة بعيدة عن المدينة، كان الناس يتناقلون حكاية قديمة، تنتقل من جيلٍ إلى جيل، كأنها وعدٌ مؤجل لا ينتهي.
حكاية تقول إن فارسًا عظيمًا سيأتي يومًا، يحمل سيفًا من نور، وينقذهم من الفقر والخوف والظلم.

كبر الأطفال وهم يسمعون تلك الحكاية، حتى أصبح الجميع ينتظر ذلك الفارس أكثر مما يعملون من أجل حياتهم.

كان “سالم” شابًا بسيطًا يعمل في إصلاح الدراجات القديمة.
لم يكن قويًا ولا غنيًا، لكنه كان يكره فكرة الانتظار.

كل صباح، كان يرى أهل القرية يجلسون أمام المقهى، يتحدثون عن موعد ظهور الفارس، بينما الطرق مكسورة، والمدرسة تحتاج إلى إصلاح، والحقول تذبل عطشًا.

وفي ليلة شتاء قاسية، هطلت الأمطار بغزارة حتى انهار الجسر الصغير الذي يربط القرية بالمدينة.
توقفت السيارات، وتعطل وصول الطعام والدواء.

اجتمع أهل القرية في خوف، وقال أحدهم:
— لا بد أن الفارس سيظهر الآن!

مرت ساعات طويلة… ولم يأتِ أحد.

وفي صباح اليوم التالي، حمل سالم أدواته القديمة، واتجه نحو الجسر المكسور.
بدأ وحده يرفع الحجارة ويثبت الأخشاب.

ضحك البعض منه، وقالوا ساخرين:
— وهل تظن نفسك الفارس؟

لم يرد.

وبعد قليل، اقترب طفل صغير وساعده.
ثم جاء رجل عجوز يحمل حبلًا.
ثم امرأة أحضرت الماء والطعام.
ثم عشرات الشباب.

وبعد يومين من العمل المتواصل، عاد الجسر أقوى مما كان.

في تلك الليلة، جلس أهل القرية ينظرون إلى الجسر الجديد بصمت، وكأنهم يرونه لأول مرة.
ثم قال رجل عجوز، وهو يبتسم لأول مرة منذ سنوات:

— يبدو أن الفارس الذي كنا ننتظره… لم يكن شخصًا واحدًا.

نظر الجميع إلى بعضهم البعض، وكأنهم فهموا الحقيقة متأخرين.

الحارس الحقيقي لم يكن رجلًا يحمل سيفًا، بل شعبًا قرر ألا ينتظر أكثر.

أما سالم، فعاد إلى ورشته الصغيرة كعادته، دون أن يعتبر نفسه بطلًا.
لكنه هذه المرة، حين مرّ بجوار المقهى، لم يجد أحدًا يتحدث عن الفارس القادم…

لأنهم كانوا مشغولين ببناء القرية بأيديهم.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا