التجربة الانسانية..
مقتضيات فيض وثقب تنظيم !
نرجس البزال
في هذا الزمن، لم يعد الإنسان يعيش حياته بقدر ما يديرها.
كل شيء بات خاضعًا لمنطق القياس: الوقت، الإنتاج، العلاقات، وحتى المزاج. كأن الحياة لم تعد تجربة وجودية مفتوحة، بل مشروعًا إداريًا يُقاس أداؤه بالأرقام والانضباط.
هذه النزعة ليست مجرد تطور تنظيمي في أسلوب العيش، بل تحوّل ثقافي عميق. فمع صعود ثقافة الإنتاجية، أصبح الانضباط يُقدَّم بوصفه الفضيلة العليا، بينما يُنظر إلى العفوية باعتبارها خللًا في النظام، أو على الأقل انحرافًا عنه.
لكن هذا التصور، رغم جاذبيته العملية، يُنتج مفارقة واضحة: كلما ازداد الإنسان قدرة على ضبط حياته، ازداد شعوره بالفراغ داخلها.
المشكلة هنا ليست في التنظيم بحد ذاته، بل في تحوله من أداة إلى غاية.
حين يصبح ضبط الحياة هدفًا مستقلًا، تفقد الحياة جزءًا من طبيعتها الأساسية: عدم التوقع. فالمفاجأة، والصدفة، والانحراف البسيط عن الخطة، ليست أخطاء في التجربة الإنسانية، بل جزء من بنيتها الأصلية.
من هنا يمكن فهم التوتر المتزايد في الحياة المعاصرة بين “ما يجب أن يكون” و”ما يحدث فعلاً”. فالنموذج المثالي للحياة اليوم يقوم على تقليل المفاجآت إلى الحد الأدنى، بينما التجربة الإنسانية في جوهرها تقوم على العكس تمامًا: الانفتاح على غير المتوقع.
هذا لا يعني الدعوة إلى الفوضى أو رفض التنظيم، بل الإشارة إلى اختلال في التوازن. فحين يطغى منطق الإدارة، تتحول الحياة إلى سلسلة من المهام المنجزة، لكنها تفقد شيئًا من شغفها الداخلي : الإحساس، التردد، وحتى الخطأ المنتج.
في هذا السياق، تبدو بعض الممارسات البسيطة ذات دلالة أعمق مما يُعتقد. ككسر الروتين اليومي، أو ترك مساحة غير مخططة في اليوم، أو السماح بقرار غير محسوب بالكامل. هذه ليست سلوكيات ترفيهية، بل محاولات لإعادة إدخال عنصر “الحياة” إلى حياة أصبحت مفرطة التنظيم.
الأمر نفسه ينعكس في المجال الإبداعي. فالإنتاج الثقافي لا يولد من الانضباط وحده، كما لا يعيش على الفوضى وحدها. بل يقوم على توتر دائم بين الدافع الداخلي غير المنضبط، وبين القدرة على تحويله إلى شكل قابل للفهم. وعندما يختل هذا التوازن، إما يتحول الإبداع إلى تكرار جاف، أو إلى اندفاع غير قابل للبقاء.
المعادلة إذن ليست بين النظام والفوضى، بل بين النظام كأداة، والنظام كقيد. بين ما ينظّم الحياة، وما يحلّ محلّها.
في النهاية، لا يبدو السؤال الحقيقي هو: كيف نكون أكثر إنتاجية؟
بل: كيف نحافظ على إنسانية الحياة داخل هذا الكم من التنظيم؟
ربما لا تحتاج الحياة إلى مزيد من الخطط، بقدر ما تحتاج إلى مساحة صغيرة غير محسوبة… تسمح لها بأن تبقى فيض حياة عارم ، لا مجرد جدول روتيني وان كان ناجح.
التعليقات الأخيرة