أنثى من خيال
أنثى من خيال
بقلمي هدى عبده
حين نهضت القصيدة من غفوتها
في بهو الغيابِ ارتجفَ الصمتُ،
وتدلت الأرواحُ كأنها أسرابُ سحبٍ في ارتقابِ،
فدخلت…
لا تخطو كالبشرِ،
بل تعبرُ مثل سرابِ.
كأنها من فجرٍ لم يولد،
ومن مدادٍ لم يجرِ على لوحٍ ولا كتابِ،
وجهٌ يقطرُ من غموضٍ مشع،
وعيونٌ تنقُبُ في الأرواحِ كما ينقُبُ العارفُ في كتابِ.
إن لامست كفها شيئًا،
ارتعشَ الوجودُ وأذعنَ الإهابِ،
وانحنت اللحظةُ تصغي،
كأنها سيدة الأسرارِ والعُبابِ.
جلست،
فتفتحت الطاولةُ زهرةً،
وأحاطت بها الكتبُ مثل أطفالٍ تلوذُ بثوبِ أم رحابِ،
لم تقرأْ، بل استحضرت ما لم يُكتب،
تدونه بأنفاسِ نجمٍ مذبوحٍ على أبوابِ.
وشمسُ النهارِ توقفت عند وجنتيها،
كأنها تتعلمُ سر الضياءِ من شبابِ،
والمكانُ كله صار نشيدًا خفيًا،
لا يسمعهُ إلا من ذابَ في سِحرٍ عَجابِ.
هي ليست زائرةً للحروفِ،
بل روحُها الأصلُ والمآبِ،
وليست عاشقةً للكلمات،
بل هي ولادتها كلما صرخَ الغيابِ.
منذُ رأيتُها،
علمتُ أن المعاجمَ ظلٌّ عابر،
وأن القصيدةَ لا تُجسَّدُ إلا حين تنهضُ أنثى من خيالٍ
وتصيرُ هي الحرفَ... والجوابِ.
________________
د. هدى عبده
التعليقات الأخيرة