news-details
مقالات

 الإعلامى مجدي كامل الهواري يكتب : إلى متى تستمر حوادث القطارات وإراقة الدماء دون عقاب رادع؟! قطارات الموت تحصد أرواح المصريين.. وكارثة العياط تفتح من جديد ملف المحاسبة الغائبة وسلامة أرواح المواطنين

 

 لم يعد مقبولًا أن نستيقظ بين الحين والآخر على فاجعة جديدة في مرفق السكك الحديدية، ولم يعد مقبولًا أن تتحول حوادث القطارات إلى مشاهد متكررة من الدماء والضحايا والمصابين، ثم تنتهي الحكاية ببيانات رسمية وقرارات لجان وتحقيقات، بينما تظل الأسئلة الكبرى معلقة، وتبقى أرواح المواطنين هي الثمن الأغلى الذي يدفعه المجتمع!

إن حادث تصادم قطاري أسوان والفيوم بمنطقة العياط بمحافظة الجيزة، يوم الأحد 8 نوفمبر 2026، ليس مجرد حادث عابر يمكن التعامل معه باعتباره واقعة مرورية أو عطلًا فنيًا طارئًا، بل هو جرس إنذار جديد يدق بعنف في وجه منظومة السكك الحديدية، ويعيد إلى الواجهة قضية أمن وسلامة ملايين المواطنين الذين يستخدمون القطارات يوميًا.

سبعة قتلى و114 مصابًا.. وهذه هي الحصيلة الأولية التي أعلنتها النيابة العامة.

أرواح أزهقت، وأسر تحولت حياتها إلى مأساة، ومصابون يرقدون في المستشفيات، وأطفال ونساء ورجال وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة الموت، بسبب حادث وقع نتيجة اصطدام القطار رقم 134 المتجه من الجيزة إلى الفيوم بمؤخرة القطار رقم 2010 المتجه من القاهرة إلى أسوان، أثناء توقف الأخير على المسار ذاته، وفقًا لما أعلنته النيابة العامة عن المعاينة الأولية.

والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف يمكن أن يقع مثل هذا التصادم بين قطارين على المسار نفسه؟ وأين كانت منظومة الإشارات والتحكم والتشغيل؟ وهل هناك خلل فني أو قصور بشري أو إهمال في إجراءات السلامة؟ ومن المسؤول عن وصول الأمور إلى هذه النتيجة المأساوية؟

هذه أسئلة لا يجوز أن تمر مرور الكرام، ولا يجوز أن تظل إجاباتها حبيسة التقارير الفنية والبيانات الرسمية.

أين المحاسبة؟ وأين الردع؟

إن المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في وقوع الحوادث، وإنما في ضرورة ضمان ألا تتكرر، وألا تتحول التحقيقات إلى مجرد إجراءات روتينية تنتهي دون إعلان واضح للرأي العام عن أسباب الكارثة والمسؤوليات المترتبة عليها.

نحن لا نطالب بإدانة أحد قبل انتهاء التحقيقات، ولا نوجه اتهامًا جزافيًا لأي مسؤول، ولكننا نطالب بمحاسبة كل من يثبت تقصيره أو إهماله أو إخلاله بواجباته، أيًا كان موقعه الوظيفي أو درجته الإدارية.

فالمسؤولية لا يجب أن تتوقف عند عامل أو سائق أو موظف صغير إذا كشفت التحقيقات عن وجود خلل إداري أو فني أو تقصير في منظومة الإشراف والرقابة والصيانة.

ولا يجوز أن يتحمل المواطن وحده فاتورة الأخطاء، بينما تظل المسؤوليات الإدارية والتنفيذية بعيدة عن المساءلة.

السكك الحديدية ليست مجرد قطارات وقضبان.. إنها أرواح بشر!

إن تطوير السكك الحديدية وشراء القطارات الحديثة وتحديث المحطات لا يكفي وحده لضمان سلامة الركاب، إذا لم يصاحب ذلك نظام صارم للرقابة والصيانة، وتأهيل العاملين، وتحديث منظومات الإشارات والتحكم، والتأكد من كفاءة إجراءات التشغيل في كل رحلة.

فما قيمة ملايين أو مليارات الجنيهات التي تُنفق على التطوير إذا كان المواطن لا يشعر بالأمان وهو يستقل القطار؟

وما قيمة المشروعات الحديثة إذا لم تكن الأولوية المطلقة هي حماية حياة الإنسان؟

إن المواطن المصري ليس رقمًا في كشف المصابين، وليس اسمًا يضاف إلى قائمة ضحايا حادث جديد، وليس مجرد خبر عاجل تتناقله وسائل الإعلام لساعات ثم تنصرف عنه الأنظار.

إنه إنسان له أسرة وأبناء وأحلام ومستقبل، ومن حقه أن يستقل وسيلة نقل آمنة، وأن يصل إلى وجهته دون أن يودع أسرته وكأنه ذاهب إلى معركة مع الموت!

نطالب بتحقيق شفاف ومحاسبة لا تستثني أحدًا.

ومن هنا، فإننا نطالب بما يلي:

1. إعلان نتائج التحقيقات الفنية والجنائية في حادث العياط للرأي العام بكل شفافية.
2. تحديد المسؤوليات بدقة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه أو تقصيره، دون استثناء.
3. مراجعة منظومة الإشارات والتحكم الآلي والاتصالات بين القطارات وغرف التشغيل.
4. إجراء مراجعة شاملة لأعمال الصيانة وسلامة القضبان والعربات ومعدات التشغيل.
5. الكشف عن أوجه القصور الإدارية والفنية التي تسمح بتكرار مثل هذه الحوادث.
6. وضع آلية رقابة مستقلة وفعالة لمتابعة إجراءات السلامة داخل مرفق السكك الحديدية.
7. تقديم الرعاية الطبية والتعويضات المستحقة للمصابين وأسر الضحايا دون تأخير.

رسالة أخيرة إلى المسؤولين:

إن دماء المصريين ليست رخيصة، وأرواح الركاب ليست مجالًا للتجارب أو التسويف أو تبادل المسؤوليات.

لقد تعب المواطن من سماع عبارات المواساة والوعود بعد كل حادث، ومن مشاهدة صور القطارات المحطمة وسيارات الإسعاف والضحايا، ثم انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات.

نريد أن نرى نتائج حقيقية، وإجراءات وقائية ملموسة، ومحاسبة قانونية عادلة، لا مجرد بيانات إعلامية تنتهي بانتهاء الاهتمام بالحادث.

إن حادث العياط يجب ألا يمر كغيره، ويجب أن يكون نقطة فاصلة في التعامل مع ملف سلامة السكك الحديدية في مصر.

فإلى متى تستمر حوادث القطارات؟ وإلى متى تظل أرواح المواطنين معرضة للخطر؟ ومن يحاسب المقصرين إذا ثبت الإهمال؟

إن حماية أرواح المصريين ليست منحة من مسؤول، وليست وعدًا حكوميًا، بل هي واجب أصيل لا يقبل التهاون أو التأجيل.

رحم الله ضحايا حادث العياط، وشفى المصابين، وحفظ مصر وأهلها من كل مكروه.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا