news-details
مقالات

هندسة الوهم التاريخي وجيوسياسية الصراع المهدوي:  دراسة نقدية توثيقية في مسار المرويات (من الشفهيات والتأسيس إلى نقد الإسناد والمدونات  وتناقضات الميدان العراقي)

 


إعداد/ الكاتب والباحث في الشأن السياسي والإجتماعي 
الشيخ عدنان صگر الخليفه 
رئيس إتحاد القبائل العراقية 

المقدمة الإشكالية
يشهد الفضاء الفكري والثقافي في الشارع العراقي والإسلامي العام تصاعداً ملحوظاً في الترويج لخطاب علامات الظهور والفتن والملاحم، ولا سيما ما يتعلق بشخصيات وجيوش (السفياني، اليماني، الخراساني). وقد تبلورت هذه المرويات في العصر الحديث داخل الموسوعات المهدوية التي جُمعت فيها نصوص التراث المبعثرة.
غير أن التلقي الجماهيري والإعلامي لهذه المدونات يعاني من إشكاليات منهجية كبرى؛ إذ جرى التعاطي معها بوصفها حقائق قطعية ودلائل إجرائية حتمية، ما أدى إلى تكريس حالة من الانتظار السلبي.
تتجسد الإشكالية المركزية لهذه الورقة في تفكيك هذا الخطاب عبر أربعة مسارات أساسية:
1/ المسار التاريخي التوثيقي: تتبع نشأة هذه المرويات منذ بداياتها الشفهية والقصصية، مروراً بتدوينها في مجلدات الفتن، وصولاً إلى استيعابها في الموسوعات المعاصرة، مع شرح المصادر التي ذكرتها ودونتها.
2/ المسار الإسنادي والنقدي: تفكيك أسانيد هذه المرويات وتساؤلات صدورها عن النبي وأمير المؤمنين وآل البيت، مع بيان إسهامات الفقهاء المتكلمين مثل العلامة الحلي ومن جاء بعده في قراءة هذه النصوص.
3/ المسار النقدي والمنطقي (الميداني): تفكيك التناقض الجيوسياسي الحاد بين مقولة انطلاق الراية المهدوية من العراق وبين جعل العراق مسرحاً دائماً للتصفيات والحروب بالوكالة للرايات الوافدة من الخارج.
4/ المسار الرسالي الأخلاقي: المقارنة بين أيديولوجيا الدم الشائعة والمنهاج الرسالي الحقيقي للنبوة وأهل البيت في حفظ الدماء والمواطنة.
لا تسعى هذه الورقة إلى انتقاص التراث، بل تضع النظريات والمرويات والمدونات التاريخية أمام القارئ في سياقها الموضوعي، لتمكينه من التمييز بين النص التأسيسي والتوظيف السياسي، وطرح التساؤلات العقلية والمنهجية التي تفرض إعادة النظر في هذا الإرث الدموي.

المحور الأول: التسلسل التاريخي للمرويات وشرح المصادر (من الشفهيات إلى الموسوعات المعاصرة)
عند إخضاع نصوص الفتن والملاحم للمنهج العلمي التاريخي، يتبين أنها مرت بمراحل تطورية واضحة، مع تبيان المصادر التي روتها شفهياً ودونتها كتابة:
أ/ مرحلة البدايات الشفهية والقصصية (منتصف القرن الأول الهجري):
لم تكن هناك مدونات فقهية أو حديثية مسجلة، بل كانت الحكايات تُروى شفاهةً على ألسنة القصّاص وأوائل المنقولين عن الإسرائيليات، مثل كعب الأحبار (المتوفى سنة 34 هـ)، وشهر بن حوشب الأشعري (المتوفى سنة 112 هـ). ودارت مضامينها حول فتن الشام وبلاء العراق، وحكايات الخراب الذي يسبق تسلط جبار من ولد سفيان أو من المشرق، ووظفت لترسيخ عقيدة الجبر السياسي وتطويع وعي الشارع وإقناعه بأن الصراع قدر محتوم.
ب/ مرحلة التعبئة السياسية وصناعة الرايات (أواخر القرن الأول ومطلع القرن الثاني الهجري):
جاءت هذه المرحلة في أزمة سقوط الدولة الأموية وانطلاق الدعوة العباسية (عصر قادة الحركة العسكرية العباسية مثل أبي مسلم الخراساني وسليمان بن كثير الخزاعي)، ورد الفعل الأموي عبر رواة البيئة الشامية مثل أبي قبيل المعافري (المتوفى سنة 128 هـ)، وأرطأة بن المنذر (المتوفى سنة 160 هـ). وتحولت الحكايات إلى أدوات دعائية لتسويغ الحركات العسكرية وإعطائها شرعية غيبية؛ فظهرت قصص الرايات السود الخراسانية لشرعنة العباسيين، وقصص السفياني الشامي كرد فعل أموي لبعث الثأر.
ج/ مرحلة التدوين في مجلدات الفتن والملاحم (القرن الثاني وبداية القرن الثالث الهجري):
ظهرت المصنفات المستقلة المكتوبة لأول مرة، ومن أبرزها:
1/ مصنف عبد الرزاق لـ عبد الرزاق الصنعاني (المتوفى سنة 211 هـ): الذي أفرد أبواباً مبكرة لجمع أحاديث الفتن وملاحم اليمن والشام.
2/ كتاب الفتن لـ نعيم بن حماد المروزي (المتوفى سنة 228 هـ): وهو أضخم وأقدم مجلد كتابي مدوّن متخصص في الفتن والملاحم، جُمِع فيه نقل نصوص كعب الأحبار وأرطأة بن المنذر والوليد بن مسلم.
ودُوّنت فيها أبواب وصفت حركة السفياني، والخراساني، وجيوش المشرق، وجرى إسقاط وقائع حروب العباسيين وحصار بغداد (في فتنة الأمين والمأمون) على أنها نبوءات مستقبلية.
د/ مرحلة الاستيعاب في المجاميع الحديثية (القرنان الثالث والرابع الهجري):
ظهرت المصنفات العقدية والحديثية، ومنها:
1/ كتاب الكافي لـ محمد بن يعقوب الكليني (المتوفى سنة 329 هـ): الذي ركز على أصول الإمامة والعقيدة، وتجنب التوسع في الملاحم والفتن والرايات.
2/ كتاب الغيبة لـ أحمد بن محمد بن سعيد (ابن عقدة - المتوفى سنة 333 هـ): الذي جمع نصوص الفتن والعلامات.
3/ كتاب الغيبة لـ محمد بن إبراهيم النعماني (من أعلام القرن الرابع الهجري): وهو المصنف الشيعي الأكثر تفصيلاً في سرد أبواب الرايات والسفياني واليماني والخراساني وصيحة رمضان.
وأضفى هذا التبويب صفة التوثيق المذهبي والنصي على روايات كانت بالأصل جزءاً من الصراع السياسي التاريخي.
هـ/ مرحلة التقعيد المنهجي وتطور المدونات (القرن الخامس إلى التاسع الهجري):
تمثلت البداية التأصيلية في كتاب الغيبة لـ الشيخ محمد بن الحسن الطوسي (المتوفى سنة 460 هـ)، تبعته محطات علمية مدونة في العصور اللاحقة؛ إذ تناول العلامة الحلي (الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي - المتوفى سنة 726 هـ) في مدوناته الكلامية والعقدية (مثل كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد ومنهاج الكرامة) موضوع العلامات والرايات (السفياني واليماني والخراساني)، متناولاً إياها ضمن أبواب الاستئناس التاريخي والتعزيز الكلامي لا ضمن الأصول العملية القطعية. وقد شاركه في جمع وترتيب هذه النصوص أعلام آخرون في عصور لاحقة (مثل الشيخ زين الدين البياضي العاملي المتوفى سنة 877 هـ في كتابه الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم). وقد اعتمد هؤلاء الأعلام في نقلهم على ما استقر في المدونات المبكرة الموروثة عن العصرين الأموي والعباسي.
و/ مرحلة الموسوعات المعاصرة والشارع الراهن:
في العصر الحديث، جُمعت هذه النصوص المبعثرة وصُنّفت داخل الموسوعات المهدوية الشاملة التي أفردت أبحاثاً موضوعية ودراسات لسيناريوهات حركات هذه الشخصيات. وتعامل الخطاب الجماهيري والإعلامي مع هذه الموسوعات كأوامر عمليات حتمية، ما أدى إلى تكريس ثقافة الانتظار السلبي والانخراط في أتون التجييش المعاصر.

المحور الثاني: النقد الإسنادي والحديثي (تساؤلات الصدور ونسبة النصوص لآل البيت)
في سياق تفكيك هذه المرويات، يبرز تساؤل جوهري وحاسم على المستوى المنهجي والحديثي: هل صدرت هذه النصوص فعلاً عن لسان النبي الأكرم (ص)، أو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، أو الأئمة المعصومين من عترته؟ أم أنها وُضعت لاحقاً وجرى إسقاطها ونسبتها إلى بيت النبوة؟
1/ نهج أمير المؤمنين (ع) في خطابه العلوي الأصيل:
عند مراجعة التراث العلوي الأصيل وما نُقل عن أمير المؤمنين (ع) في خطبه العميقة، مثل ما ورد في نهج البلاغة حين كان يقول: سلوني قبل أن تفقدوني، فإني بأحمد الطرق أعلم مني بطرق السماء، نجد أن خطابه كان خطاب بناء وعي، وترسيخ عدل، وحث على العلم والعمل، وتحذير من الفتن بالتقوى، ولم يكن خطاباً محظاً لرد أرقام الجيوش والدمار وإبادة الشعوب. وكان علي (ع) ينهى عن الانجرار خلف العصبيات والفتن العمياء، داعياً إلى لزوم الحق والعدالة، لا انتظار معارك إقليمية مدمرة تفني النسل والحرث.
2/ غياب السند المتصل عن الأئمة في المدونات المبكرة:
عند تفحص أقدم المدونات التي جمعت هذه الروايات، مثل كتاب الفتن لنعيم بن حماد، نجد أن مرويات الملاحم والرايات خلت تماماً من أي إسناد صحيح متصل ومستفيض عن الأئمة الأطهار؛ بل نُقلت عبر مراسيل، أو مقطوعات، أو أحاديث موقوفة، أو عن كعب الأحبار والأخصاء من القصّاص. ولم تكن لغة الأئمة من ولد علي بن أبي طالب (ع)، كالإمام الباقر والإمام الصادق (عليهما السلام)، تتوافق مع الخطاب الدموي التثأري الذي يصور أهل العراق قطيعاً مساقاً للمذبح، بل كانت كلماتهم تحث على حفظ النفوس وصيانة الدماء.
3/ عملية التغليف المذهبي وإعادة النسبة:
مع تطور حركة التدوين في القرنين الثالث والرابع الهجريين وما تلاهما، أخذ بعض الرواة النقولات الحديثية الشائعة في أسواق الفتن (والتي كانت بالأصل مرويات أموية أو عباسية أو إسرائيلية) وعمدوا إلى رفع أسانيدها وإرسالها وصياغيتها بنسبة متأخرة لأهل البيت (ع) لترويجها وإعطائها طابعاً مقدساً، وهو ما تلقاه المتكلمون لاحقاً -وهم في معرض الاستدلال الشامل ومنهم العلامة الحلي- باعتباره تراثاً روائياً مأثوراً في كتب الأقدمين.
4/ نفي الأئمة للتوقيت والجبر:
تثبت النصوص الصحيحة عن أهل البيت مواجهتهم لعمليات وضع الأحاديث والتوقيت؛ إذ ورد عن الإمام الصادق (ع) بوضوح تام: كَذَبَ الوَقَّاتُونَ، إِنَّا لَم نُوَقِّتْ لِهَذَا وَقْتاً. هذا النفي القاطع لكل التوقيتات والعلامات الحتمية يؤكد أن تضخيم هذه الروايات وتحويلها إلى عقائد حتمية هو أمر خالفه أئمة أهل البيت انفسهم.

المحور الثالث: التناقض الجيوسياسي والميداني (مفارقة الانطلاق والساحة المستباحة)
هنا يبرز التساؤل المنهجي العميق الذي يضع الروايات أمام اختبار المنطق والواقع الميداني:
أ/ المفارقة الكبرى: يُروج في متن هذه الروايات أن العراق هو المنطلق الأساسي للراية المهدوية الكبرى، وفي الوقت ذاته تُصور هذه الروايات العراقَ باعتباره المسرح الدموي الأكبر الذي تجتاح فيه جيوش السفياني واليماني والخراساني البلاد، وتُستباح دماؤه، ويتحول إلى ساحة اقتتال إقليمي.
ب/ التساؤلات النقدية المطروحة للقارئ:
1/ إذا كان العراق هو المنطلق الحقيقي للراية المهدوية، فكيف يُعقل أن يكون مهبطاً للخراب ومستباحاً للقتل والدمار من قبل تلك الرايات الوافدة؟
2/ إذا كانت الغاية من حركة اليماني أو الخراساني هي مواجهة السفياني، فلماذا لا يذهب الخراساني لقتال السفياني في عقر داره بالشام، ولماذا لا يذهب السفياني لقتال اليماني في مكانه لإبقائه في مهده، ولماذا يُترك بلد المنطلق (العراق) ليتحول إلى مقبرة كبرى وميدان تصفية حسابات بين جيوش الخارج؟
3/ على أي أساس عقلي أو واقعي ستظهر الراية المهدوية المباركة وتؤسس للعدل الإلهي من أرض تحطمت فيها البنى، وسُفكت دماء مواطنيها، وأصبحت مجرد معسكر خارجي للقاتال بالوكالة؟
ج/ الرؤية الاستراتيجية:
إن هذا التناقض يثبت أن هذه الروايات بصيغتها الدموية الحتمية لا تخدم مشروع بناء دولة العدل، بل تعكس منطق الإمبراطوريات القديمة التي كانت تتصارع على جائزة العراق. وإذا افترضنا جدلاً وجود أي انطلاقة رسالية حقيقية من العراق، فإن دور العراقيين لا ينبغي أن يكون دور القطيع المساق للمذبح، بل دور الرفض الحاسم لهذه الرايات الوافدة التي تريد جعل أرضه مسرحاً للدم، والدفاع عن سيادة الوطن وكرامته بدلاً من التبرير لاقتتال الآخرين على أرضه.

المحور الرابع: المنهج الرسالي (النبي وأهل البيت) في مقابل أيديولوجيا الدم
تنسجم هذه التساؤلات مع السيرة العملية الحقيقية للأنبياء وأئمة أهل البيت (ع)، التي قامت على:
1/ حفظ الدماء وحرمتها: فالنبي (ص) أسس دولة المواطنة والرحمة في وثيقة المدينة، وشعاره القرآني: 
(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).
2/ الصلح وحقن الأرواح: كما فعل الإمام الحسن (ع) عام 41 هـ حين تنازل عن السلطة لحقن دماء المسلمين ومنع استئصالهم.
3/ الرفض الأخلاقي للتشفي وحماية المستجيرين في واقعة الحرة وما سبقها: ويتجلى هذا النهج النبوي والعلوي الأصيل بأجلى صوره حين جيء بالإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) أسيراً إلى الشام عقب واقعة الطف الأليمة، فوقف أمام يزيد بن معاوية الذي سأله قائلًا: هل لي من توبة؟ فأجابه الإمام بالإيجاب مبيناً أن باب المغفرة الإلهية والرحمة لا يُغلق أمام من أناب. ثم يتألق هذا المنهج الأخلاقي الرفيع في واقعة الحرة في المدينة المنورة (سنة 63 هـ)، وهي المأساة الدموية التي أمر بها يزيد بن معاوية وأسند قيادة جيشها الدموي إلى مسلم بن عقبة، الذي سُمّي ولُقّب بـ (مسرف) نظراً لإسرافه المفرط في القتل وإراقة الدماء واستباحة المدينة. وأمام هذا البطش الأموي العارم، لجأ مروان بن الحكم -رغم خصومته السياسية والتاريخية- إلى الإمام زين العابدين (ع) مستجيراً به لحماية عرضه ونسائه من الاستباحة والانتهاك، فلم يتردد الإمام في تلبية نداء الإنسانية وحفظ الحرمات، فأواهن في داره وتكفل بحمايتهن ورعايتهن حتى انجلي غبار المأساة، غير منتقم ولا متشفٍ وقت العسرة. هذا الموقف الأخلاقي العالي والفريد ينسخ تماماً أي مرويات تُنسَب زوراً لآل البيت تدعو للبطش أو التشفي أو إراقة الدماء.

الخاتمة والتوصيات
إن الهدف من هذه الورقة البحثية ليس انتقاصاً من التراث، بل هو دعوة للقارئ والباحث الكريم لكي يثقّف نفسه، ويقرأ بوعي، ويميز بين النص التأسيسي الإلهي وبين المنتج السياسي التاريخي.
إن مرويات الصراع الإقليمي والدمار لا تمثل طريق التمهيد للإمام المهدي (عج)، بل تشكل جداراً عازلاً يمنع الأمة من النهوض الحضاري وبناء المؤسسات. وإن الخلاص الحقيقي يبدأ من استعادة الإرادة العراقية المستقلة، ورفض أن يكون الوطن مسرحاً لصراعات الرايات الوافدة، والعودة إلى بناء الإنسان والعلم والعدل والمواطنة على نهج النبوة والإمامة الأصيل.

6 تشرين الثاني 2026

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا