جراحة بلا مخدر: الحقيقة المرة لواقع الدولة والمجتمع في العراق
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
رئيس إتحاد القبائل العراقية
تتطاير التحليلات وتتناسل التساؤلات مع كل هزة تضرب خريطة الشرق الأوسط، متقفلة أثر التحالفات، وتناوشات الردع العابر للحدود، ووساطات اللحظة الأخيرة بين الخصوم، ليطل السؤال المتكرر كظل ثقيل: أين العراق من غرفة القرار؟ لكن خطيئة القراءة السياسية تبدأ فوراً حين يُطرح هذا التساؤل بمنطق "المتفرج" لا بمنطق "المشغّل"، وحين تُختزل أزمة البلاد في مجرد متابعة ما يدور حولها، لا في تفكيك العلة البنيوية التي تجعل الأزمة هي التي تدير موقع العراق لا العكس. إن الإسقاط الساذج لمفاهيم السيادة التقليدية على واقع دولة مخترقة ومستلبة القرار يقود حتماً إلى تزييف الوعي؛ فحين يفقد البلد سيطرته على قراره المالي والإداري والسيادي، وتتحول مؤسساته إلى مجرد واجهات شكلية، يصبح الحديث عن "شراكات دولية" أو "أدوار إقليمية فاعلة" ضرباً من الوهم البصري السطحي.
وفي أقبية الدبلوماسية الدولية، لا تُدار العلاقات مع الكيانات الرخوة بمنطق الندية، بل بمنطق إدارة الوظيفة. وحين تعقد العواصم الكبرى أو القوى الإقليمية لقاءاتها المغلقة، ويُحصر الوفد العراقي في زاوية التلقي والاستماع لإملاءات تُفرض دون إبداء رأي أو تعديل فاصلة، فإن الدولة هنا لا تعدو كونها "صندوق بريد دولي"؛ تُجمع فيها الرسائل المتبادلة، وتُقرأ على أرضها التوجيهات، وتُعاد صياغتها لتُسلم للأطراف الأخرى عبر وكلاء محليين جابتهم تسويات الغرف المظلمة. إنها واجهة تنفيذية تستهلك رصيدها الرمزي لتبقى في دائرة البقاء، بينما تُحاك مقدرات الداخل وتُسطر خطوط الوجود في العواصم الخارجية بمعزل تام عن مصالح الشعب العراقي.
ولا يمكن فصل هذا الاستلاب السياسي عن البنية الاقتصادية المشوهة التي تُدار عبر شبكات الفساد والمال المنهوب. ففي الدول التي تدار بالوكالة، لا يُترك الفساد كعرض جانبي عابر، بل يُهندس كأداة حكم ووسيلة إبقاء؛ حيث تمنح الدوائر مانحة النفوذ "النخبة المستفيدة" حرية مطلقة في تهريب الأموال وتضخيم الثروات خارج الحدود، شريطة أن تظل موارد البلاد وثرواتها السيادية رهينة للابتزاز والتبعية. هذا التشابك العضوي بين المال المنهوب والقرار المستلب هو السياج الحصين الذي يمنع قيام دولة القانون والمؤسسات، ويكرس حالة الاستباحة الكاملة لمقدرات العراقيين.
ولعل المأساة الأعظم تكمن في دور ما يُعرف بـ "النخبة" في العراق؛ تلك الطبقة المتشكلة من الأكاديميين، والمهنيين، والسياسيين، وحتى زعامات العشائر والوجاهات التي أدمنت مهادنة الواقع والمكاسب الضيقة. فبدلاً من الاشتباك الواعي مع الحقيقة الصادمة وتعريتها، تلجأ أغلب هذه الفئات إلى التضليل وتسويف الحقائق، تارة بالاحتفاء بالصور البروتوكولية الوهمية واللقاءات العابرة على أنها انتصارات سيادية كبرى، وتارة أخرى بالصمت المطبق والتواطؤ المتعمد حفاظاً على الامتيازات والمصالح الشخصية، ليتولى هذا الركام النخبوي قيادة مشروع "تجهيل المجتمع" وإبقائه أسيراً للأوهام.
وهنا تكمن المرارة الكبرى؛ فحين يعاني الجسد العراقي من غرغرينا الفساد والاستلاب، وتتطلب أصول الطب الإداري والسياسي "علاجات قاسية وموجعة" تقتضي البتر والاستئصال الحقيقي لأدوات الأذى والخراب، تبرز ماكينات التزييف لتقدم للمريض "السم مغلفاً بالعسل". إنهم لا يقدمون علاجاً شافياً، بل يغدقون الكلمات الرنانة والوعود المعسولة، ويعيدون تدوير الفساد ووضع مساحيق التجميل على قبح الانهيار، ليخرج لنا الفساد في كل مرة بوجه جديد ولباس مخادع، وكأن المطلوب هو إطالة أمد النزاع لا شفاء الوطن.
إن الخروج من مستنقع التلقي والتهميش لا يبدأ بالأمنيات ولا بشعارات الاستهلاك الإعلامي الملطخة بالماكياج السياسي، بل بالمكاشفة الجراحية الصادمة لطبيعة الواقع دون تجميل. وما لم يدرك المجتمع ونخبه الحقيقية أن المعركة تبدأ من استعادة السيادة الوطنية الكاملة، واستئصال جراثيم الفساد والوكالة بلا هوادة، ورفض دور "ساعي البريد"، سيظل العراق مسرحاً مستباحاً لتصفية حسابات الآخرين، وسيبقى الوعي الجمعي أسيراً لسراب يبيعه تجار الوهم كل يوم.
التعليقات الأخيرة