news-details
مقالات

المشروع الأمريكي في العراق بعد الانسحاب ونظرية الزعيم الشيعي الأمريكي: من إدارة الفوضى إلى هندسة الولاء

 

..!!
غيث العبيدي - كاتب عراقي مستقل.

▪️المقدمة :

يأتي هذا المقال  ليتزاوج بين تحليل مشروع ما بعد الانسحاب، المذكور في مقالي السابق وتحليل صناعة الزعيم الشيعي الأمريكي، ويثبت أن إعلان وزارة الدفاع الأمريكية اليوم 30 أيلول 2026 عن إنتهاء مهمة التحالف في العراق ونقل قيادته إلى الأردن، ليس إنسحاباً كما هو معلن، بل هو عملية إنتقال من الإحتلال المباشر إلى الإحتلال بالوكالة عبر وريث محلي.

فبعد أكثر من عشرين عاماً، فشلت واشنطن في خلق حليف سني مستدام، وفشلت في أحتواء حليف شيعي موالٍ لإيران. فكيف تحافظ على العراق كحاجز جيوسياسي يمنع وصول طهران إلى المتوسط ويمنع دخول بكين إلى النفط، دون جندي امريكي واحد على الأرض العراقية؟

فجوهر هذا المقال: هو صناعة زعيم شيعي عراقي، جنوبي الملامح، تمنحه واشنطن شرعية من داخل البيت الشيعي نفسه، وتساعده على البقاء طويلاً كضامن لمصالحها.

أولاً : أداة هندسة الإنسحاب.

البيان الأمريكي تضمن عبارة مفصلية: ”الانتقال من مهمة تحالف في زمن الحرب إلى علاقة أمنية ثنائية طبيعية تقودها بغداد“ وهذه العبارة تعني ثلاثة تحولات:

أ.  التحول من القواعد العسكرية  إلى العقود الأمنية، فلا قواعد معلنة تثير الشارع، بل شركات أمنية ومدربون وخبراء.

ب. من الوسط إلى الأطراف،  الإنسحاب من أربيل  والتمركز في الأردن هو تطويق لبغداد الشيعية، لدفعها لقبول رجل قوي يحمي وحدتها في حال حدوث الفوضى الأمنية.

ج. من المواجهة إلى التفويض، والمسؤولية الآن وقعت على عاتق حكومة العراق في مواجهة بقايا داعش والخروقات الأمنية الأخرى، هو تفويض قانوني لزعيم قادم لإستخدام القوة باسم السيادة.

وهذا هو المشروع بعد الإنسحاب ويعني خلق فراغ مُدار يولد حاجة اجتماعية لمنقذ.

ثانياً: مواصفات الزعيم الشيعي الأمريكي.

المنقذ لا يمكن أن يكون سنياً، فالسنة أقلية لا تستطيع حكم أغلبية شيعية دون حرب أهلية، ولا يمكن أن يكون شيعياً تقليدياً من الأحزاب القديمة المحروقة.
خطابة المظلومية ومحاربة الفساد، ولا يملك جيشاً أو فصيلا أمنيا نخبويآ ولا حزبا سياسياً ومهمته بالدرجة الأولى تفكيك فصائل المقاومة تارة بالشراء وتارة أخرى بالدمح والأحتواء، فيقدم نفسه المنقذ بالأفعال وليس بالشعارات.

ثالثاً : آلية البقاء الطويل.

البقاء طويلاً دون أن يُكشف هو  ما نسميه الشرعية المركبة:

1️⃣ شرعية شيعية ضد شيعية، بمعنى انه يُمنح غطاء من التيارات الشيعية التي تقف بالضد من المشروع الإيراني، الصدرية الإحتجاجية والتشرينية المدنية، وهو ما يقرأ إعلامياً، إصلاح شيعي داخلي في نظر الشارع، وليس تدخل أمريكي.

2️⃣ شرعية الخوف، لربما بعد مدة معينه ستحدث الفوضى الأمنية بعد الانسحاب، سيُقدم نفسه الخيار الوحيد بين الدولة واللادولة.

3️⃣ شرعية الحماية، تمنحه واشنطن إتفاقية أمنية ثنائية جديدة تحميه من أي انقلاب، وتمنحه المؤسسات الدولية تمويلاً مربوطاً ببقائه، ويُهندس بقاءه بالمال والإعلام والقوة الأمريكية.

▪️الخاتمة :

المشروع الأمريكي بعد الإنسحاب ونظرية الزعيم الشيعي، هما مشروع واحد بمرحلتين.

المرحلة الأولى تخلق المرض، وهو فراغ مقصود بعد 30 أيلول.

المرحلة الثانية تقدم الدواء، وهو زعيم شيعي يملأ الفراغ.
وبهذا تنتقل واشنطن من نموذج "ملوك السنة" الذي صنعته لندن في القرن الماضي لحماية النفط، إلى نموذج "ملوك الشيعة" الذي تصنعه هي في هذا القرن لنفس الغاية.

هذا هو المشروع الأمريكي بعد الانسحاب: أن تجعلك تطرد المحتل من الباب، لتصفق لوريثه وهو يدخل من شباك قلبك.

وبكيف الله.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا