من الأطلال إلى اللامكان ... رحلة التوق من امرئ القيس إلى الشعر الألماني المعاصر
بقلم الدكتور:- إبراهيم حامد عبداللاه
أستاذ الأدب الألمانى-عميد كلية الألسن
رئيس قسم اللغة الألمانية كلية الآداب..
جامعة بنى سويف
هل يمكن أن تبدأ الحكاية من بيت شعر قاله شاعر عربي قبل أكثر من ألف وخمسمائة عام، ثم نجد صدى بعيدًا له في قصيدة ألمانية حديثة؟ وهل يستطيع "الطلل" العربي، بما يحمله من ذاكرة وفقد وحنين، أن يفتح بابًا لفهم "اللامكان" في الشعر الألماني المعاصر؟
قد يبدو السؤال للوهلة الأولى ضربًا من المبالغة النقدية، غير أن الشعر، منذ أن عرفه الإنسان، لم يكن يعرف الحدود التي يرسمها المؤرخون والجغرافيون بين الشعوب. فالحب، والفقد، والحنين، والمنفى، والبحث عن المكان، والرغبة في بلوغ المثال، كلها تجارب إنسانية تتجاوز اللغات والقوميات.
ومن هنا تبدو المقارنة بين الشعر العربي والشعر الألماني رحلة طويلة، لا تبدأ من شاعر بعينه ولا تنتهي عند شاعر بعينه، وإنما تكشف كيف تغيرت صورة الإنسان وهو يطارد ما لا يستطيع امتلاكه كاملًا.
وإذا كان الشعر العربي القديم قد بدأ كثيرًا من قصائده بالوقوف أمام الأطلال، فإن الشعر الأوروبي، وفي القلب منه الشعر الألماني، عرف بدوره أشكالًا مختلفة من الحنين والتوق والحب المستحيل. ثم تطورت هذه التجربة عبر القرون، حتى أصبح "المكان" في الشعر الحديث سؤالًا عن الوطن والهوية والمنفى، وأصبح "المثال المتعذر بلوغه" صورة أخرى للإنسان الباحث عن معنى وجوده.
حين بدأ الشعر من الأطلال
ولد امرؤ القيس بن حجر، أشهر شعراء المعلقات، في النصف الأول من القرن السادس الميلادي، ويرجح أن وفاته كانت نحو عام 540م. ومنذ مطلع معلقته الشهيرة:
"قِفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ"
دخل المكان إلى قلب الشعر العربي بوصفه ذاكرة لا بوصفه جغرافيا فقط.
فالطلل عند امرئ القيس ليس حجارة صامتة، وإنما بقايا حياة. إنه المكان بعد أن غادره أهله، والحب بعد أن غاب أصحابه، والزمن بعد أن أصبح ماضيًا. ولذلك فإن البكاء على الطلل هو في جوهره بكاء على استحالة استعادة الماضي.
وبعد امرئ القيس بقرن تقريبًا يأتي عنترة بن شداد، الذي عاش نحو 525-608م، ليقف هو الآخر أمام المكان، ولكن في تجربة أكثر ارتباطًا بصورة الحبيبة:
"يا دارَ عبلةَ بالجواءِ تكلّمي"
إن الدار لا تستطيع الكلام، لكن الشاعر يجعلها قادرة على استعادة الغائب. وكأن الشعر يبدأ، في لحظة العجز عن استرداد الإنسان، بإحياء المكان.
وهنا تظهر واحدة من أقدم وظائف الشعر: أن يمنح الغائب حياة أخرى باللغة.
قيس وليلى: عندما يصبح المكان حبيبة
مع قيس بن الملوح، المعروف بمجنون ليلى، الذي عاش تقريبًا بين 645 و688م، يصبح هذا التعلق بالمكان أكثر وضوحًا. يقول:
"أمرُّ على الديار ديار ليلى
أقبّل ذا الجدار وذا الجدارا"
ثم يضيف:
"وما حبُّ الديار شغفن قلبي
ولكن حبُّ من سكن الديارا"
تبلغ التجربة هنا درجة لافتة من التكثيف: المكان لا يُحب لذاته، وإنما لأنه يحمل أثر المحبوب. الجدار يتحول إلى ذاكرة، والذاكرة تتحول إلى بديل عن الحضور.
وهذه الفكرة ستظل، بأشكال مختلفة، حاضرة في الشعر العربي قرونًا طويلة: المكان الذي يحفظ الغائب، والغائب الذي يمنح المكان معناه.
ومن اللافت أن هذا المعنى سيجد لاحقًا صدى في تقاليد شعرية أوروبية، وإن كان ذلك لا يعني، في ذاته، وجود تأثير عربي مباشر. فالتشابه بين تجربتين شعريتين لا يكفي لإثبات علاقة تاريخية بينهما.
من الغزل العذري إلى "الحب الرفيع" في ألمانيا
عندما ننتقل إلى الشعر الألماني في العصور الوسطى، وبخاصة شعر الغزل "" Minnesang، نجد أنفسنا أمام تجربة مختلفة في لغتها وبيئتها، لكنها تلتقي مع الشعر العربي في سؤال جوهري: ماذا يحدث عندما يصبح المحبوب بعيدًا أو متعذر الوصول إليه؟
ظهر شعر الغزل أو "المينيزانج" في فضاء البلاط الألماني خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وازدهرت فيه صورة "الحب الرفيع" أو "Hohe Minne"، حيث تتحول المرأة في كثير من القصائد إلى مثال أعلى، ويصبح العاشق في حالة توق دائم.
ومن أبرز شعراء هذه المرحلة راينمار العجوز Reinmar der Alte، الذي كان معاصرًا لفالتر فون دير فوجلفايده Walter von der Vogelweide، وتوفي في العقد الأول من القرن الثالث عشر. وتكشف أشعاره عن التناقض الداخلي بين الحب والسعادة، وعن العاشق الذي يجد نفسه أسيرًا لرغبة لا تحقق له اكتمالًا نهائيًا.
أما هاينريش فون مورونجن Heinrich von Morungen، الذي عاش في أواخر القرن الثاني عشر وتوفي نحو 1220م، فيمثل كذلك أحد الأصوات المهمة في الشعر الغنائي الألماني الوسيط.
وفي أحد نصوصه المنسوبة إليه يقول:
"Ich pin cheiser ane chrone
vnde ane lant"
أي:
"أنا إمبراطور بلا تاج
وبلا أرض."
ورغم اختلاف السياق عن الغزل العربي، فإن الصورة تكشف مفارقة شاعرية شديدة الدلالة: الإنسان قد يشعر بالامتلاك الرمزي لكل شيء، بينما يظل في الواقع محرومًا من الشيء الذي يمنحه القيمة.
فالتر فون دير فوجلفايده وقصيدته "الحب تحت شجرة الزيزفون"
لكن الاسم الأكثر شهرة في هذا السياق هو فالتر فون دير فوجلفايده Walther von der Vogelweide، الذي ولد نحو عام 1170م وتوفي نحو عام 1230م. وتعده المصادر الألمانية من أهم شعراء العصور الوسطى الألمانية. ولا نملك تاريخًا دقيقًا لميلاده أو وفاته، لكن لدينا وثيقة مؤرخة في 12 نوفمبر 1203 تشير إلى منحه مبلغًا من المال لشراء معطف من الفرو.
ومن أشهر قصائده "Under der linden"، أي "تحت شجرة الزيزفون"، وفيها يستعيد الشاعر لقاء الحبيبين في الطبيعة:
"Under der linden
an der heide,
dâ unser zweier bette was"
أي: "تحت شجرة الزيزفون، عند المرج، حيث كان فراشنا."
ثم تظهر الزهور والعشب والعندليب، ويصبح المكان شاهدًا على تجربة الحب.
وهنا نستطيع أن نعود، ولو من بعيد، إلى قيس بن الملوح.
إن قيس يمر على جدران ديار ليلى لأنها تذكره بها، وفالتر يستعيد المكان الذي احتضن لقاء الحبيبين. في التجربتين يتحول المكان من جغرافيا إلى ذاكرة.
لكن التشابه لا يعني التأثير.
وهذه نقطة ضرورية في أي مقارنة جادة بين الأدبين العربي والألماني. فقد كانت هناك بالفعل طرق اتصال تاريخية بين العالم العربي وأوروبا، خصوصًا عبر الأندلس والبحر المتوسط والتجارة والترجمة والرحلات، كما ناقش باحثون احتمالات الصلات بين الشعر العربي الأندلسي وبعض تقاليد الغناء الأوروبي. لكن إثبات التأثير المباشر يحتاج إلى وثيقة أو نص أو قناة انتقال واضحة، وليس مجرد تشابه في الصور والمعاني.
الأندلس، الجسر الذي لا ينبغي المبالغة في دوره
كانت الأندلس، ابتداءً من القرن الثامن الميلادي، واحدة من أهم مناطق التفاعل الحضاري بين العرب وأوروبا. وفيها نشأت تقاليد شعرية وموسيقية متميزة، وتجاورت العربية واللغات الرومانسية والعبرية، وانتقلت أفكار وصور وألحان عبر فضاءات متعددة.
غير أن القول بأن الشعر الألماني أخذ مباشرة من الشعر العربي يحتاج إلى حذر شديد؛ فالشعر الألماني الوسيط تأثر كذلك بالتقاليد اللاتينية والمسيحية، وبالشعر الفرنسي والبروفنسالي، وبالتقاليد الأوروبية المحلية.
والأدق أن نقول إن البحر المتوسط كان فضاءً للتفاعل، لا أن نفترض أن كل تشابه نتيجة انتقال مباشر.
وهذا التمييز يجعل المقارنة أكثر قوة، لا أقل.
المتنبي، من الحبيبة إلى المثال
إذا كان الشعر العربي القديم قد بدأ كثيرًا من سؤال الحب والمكان، فإنه لم يتوقف عندهما.
ولد أبو الطيب المتنبي عام 915م وتوفي عام 965م، ورفع الشعر عنده سقف الطموح إلى مستوى يكاد يجعل الحياة نفسها مشروعًا لمطاردة المثال:
"على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم"
هنا يصبح "المثال المتعذر" شيئًا آخر. لم يعد امرأة بعيدة، بل مجدًا أو بطولة أو مكانة يريد الإنسان الوصول إليها.
أما أبو العلاء المعري، الذي ولد عام 973م وتوفي عام 1057م، فقد دفع السؤال إلى منطقة أكثر فلسفية:
"تعبٌ كلها الحياةُ فما أعجبُ
إلا من راغبٍ في ازديادِ"
فالمثال هنا قد يكون المعرفة نفسها، وقد يكون البحث عن معنى الوجود.
وهكذا اتسعت دائرة التوق في الشعر العربي: من المرأة إلى المجد، ومن المكان إلى المعرفة، ومن الماضي إلى المستقبل.
جوته يفتح نافذة على الشرق
إذا كان الحديث عن العلاقة بين الشعر العربي والألماني في العصور الوسطى يحتاج إلى كثير من الاحتياط، فإن العلاقة بين الشرق والشعر الألماني تصبح أكثر وضوحًا في العصر الحديث، ولا سيما مع يوهان فولفجانج جوته.
ولد جوته في فرانكفورت عام 1749م وتوفي في فايمار عام 1832م. وفي عام 1819م صدر "الديوان الشرقي للمؤلف الغربي" West-östlicher Divan، وهو من أهم النماذج في تاريخ الحوار الشعري بين الشرق والغرب.
وقد كان الشاعر الفارسي حافظ الشيرازي أحد أهم مصادر إلهام جوته في هذا العمل. وتشير مصادر معهد جوته إلى أن "الديوان الشرقي للمؤلف الغربي" يتكون من اثني عشر كتابًا، وأن جوته اقترب فيه من الشرق مستلهمًا شعر حافظ الشيرازي .
وهنا يصبح الأمر مختلفًا عن مجرد التشابه.
إن جوته قرأ الشرق، وأعاد تخيله، وحاور شعراءه، ثم أدخل هذا الحوار في مشروعه الشعري الخاص.
ومن أشهر العبارات المرتبطة بهذا المشروع:
"من أراد أن يفهم الشاعر
فعليه أن يذهب إلى بلاد الشاعر."
وهي عبارة تلخص جوهر التجربة: لا يمكن فهم الآخر من بعيد، وإنما من خلال الاقتراب من لغته وثقافته وتجربته.
من الرومانسية إلى المنفى
بعد جوته تطورت القصيدة الألمانية في اتجاهات كثيرة. وظهر هاينريش هاينه، المولود عام 1797م والمتوفى عام 1856م، الذي جمع بين الغنائية والرؤية النقدية للمجتمع والسياسة والمنفى.
ثم جاء راينر ماريا ريلكه، 1875-1926، ليعيد صياغة علاقة الإنسان بالأشياء والمكان والوجود. ومع القرن العشرين دخل الشعر الألماني في مناطق أكثر قلقًا، خصوصًا بعد الحربين العالميتين.
وفي شعر بول تسيلان، 1920-1970، أصبحت اللغة نفسها مكانًا للبحث عن معنى بعد الكارثة. لم يعد الشاعر يقف أمام أطلال بيت أو حبيبة، وإنما أمام أطلال تاريخ كامل.
وهنا يتضح التحول الكبير: الأطلال التي كانت في الشعر الجاهلي بقايا مكان، أصبحت في الشعر الأوروبي الحديث بقايا ذاكرة وحضارة وتاريخ.
الشعر العربي الحديث: حين صار الوطن هو الطلل
وفي الشعر العربي الحديث حدث تحول مشابه.
ولد أحمد شوقي عام 1868م وتوفي عام 1932م، ثم جاء أبو القاسم الشابي، 1909-1934، وبدر شاكر السياب، 1926-1964، وأدونيس، المولود عام 1930م، ومحمود درويش، 1941-2008، وغيرهم، ليعيدوا بناء العلاقة بين الإنسان والمكان والحرية والهوية.
ومع الشعر الحديث لم يعد الشاعر يقف فقط أمام "دار عبلة" أو "ديار ليلى". أصبح يقف أمام وطن مفقود، أو مدينة مهدمة، أو ذاكرة جماعية، أو حدود سياسية.
وفي قصيدة محمود درويش "نحن في حل من التذكار" يقول:
"وطني ليس حقيبة
وأنا لست مسافرًا
إنني العاشق والأرض حبيبة"
فتصبح العلاقة بالمكان سؤالًا عن الهوية والانتماء، لا مجرد حنين إلى مكان قديم.
وبذلك يبدو أن "الطلل" العربي لم يختفِ من الشعر الحديث، وإنما تغير شكله.
أصبح الوطن طللًا.
وأصبحت المدينة ذاكرة.
وأصبح المنفى مكانًا.
وأصبحت اللغة أحيانًا هي الوطن الأخير.
كريستيان لينرت، من المكان إلى اللامكان
في نهاية هذا المسار الطويل تظهر تجربة الشاعر الألماني المعاصر كريستيان لينرت، المولود في درسدن عام 1969م.
ينتمي لينرت إلى جيل ألماني عاش تحولات كبرى في تاريخ بلاده، وارتبطت تجربته الشخصية بالسنوات الأخيرة من ألمانيا الشرقية، ثم بما حدث بعد التحول السياسي في ألمانيا.
لكن اللافت في تجربته الشعرية أن الشرق العربي والإسرائيلي دخل في تكوين رؤيته للعالم.
فقد درس اللاهوت والدراسات الشرقية والعربية، وأدت لقاءاته بإسرائيل والمجال اللغوي العربي إلى تجربة سماها الناشر الألماني، في تقديم مجموعته الشعرية الشاعر المُقيّد "Der gefesselte Sänger"، "أرضًا بلا مكان" أو "لامكانًا" بين الثقافات المختلفة.
وصدرت المجموعة للمرة الأولى في 29 أكتوبر 1997، وتقع في 99 صفحة في طبعتها الحالية، وتضم قصائد ذات عناوين مثل "عمّان"، و"صور فبراير في القدس"، و"جبل الهيكل"، و"وادي تقوع".
والأكثر إثارة أن دار زوهركامب نفسها تربط عنوان الكتاب باستدعاء "أسطورة عربية قديمة" عن استحالة بلوغ مثال، رغم أن هذا المثال يظل مصدرًا لمعنى الحياة.
هنا يعود بنا الشعر، بعد رحلة استمرت أكثر من ألف عام، إلى السؤال القديم نفسه.
المثال موجود، لكنه لا يُمتلك.
المكان موجود، لكن الوصول إليه ليس كاملًا.
والهوية موجودة، لكنها تتشكل في منطقة بين الأمكنة والثقافات.
هل تأثر الشعر الألماني بالشعر العربي؟
ربما يكون السؤال بصيغته المباشرة مضللًا.
فالمقارنة الأدبية لا ينبغي أن تكون محكمة تبحث عن متهم بالسرقة الأدبية، ولا مسابقة تبحث عن ثقافة سبقت الأخرى.
الأصح أن نسأل: أين تلتقي التجربتان؟ وأين تفترقان؟ ومتى يتحول التشابه إلى دليل على اتصال ثقافي؟ ومتى يكون مجرد تعبيرين مختلفين عن تجربة إنسانية واحدة؟
يمكن، في هذا السياق، التمييز بين ثلاثة مستويات.
الأول: الاتصال التاريخي بين الثقافات، كما حدث في الأندلس والبحر المتوسط.
والثاني: التفاعل الثقافي الواعي، كما نراه بوضوح في تجربة جوته مع الشرق وحافظ الشيرازي.
والثالث: التأثير النصي المباشر، وهذا يحتاج إلى دليل محدد، كأن يثبت الشاعر أنه قرأ نصًا عربيًا بعينه واستفاد منه أو أعاد صياغته.
أما التشابه في موضوع الحب والغياب والمكان، فلا يكفي وحده لإثبات التأثير.
من الأطلال إلى اللامكان
وربما تكون القيمة الأهم لهذه المقارنة أنها تكشف مسارًا طويلًا لتحول الصورة الشعرية.
عند امرئ القيس، هناك الأطلال.
عند قيس، هناك جدران ليلى.
عند المتنبي، هناك المثال والطموح.
عند المعري، هناك سؤال الوجود.
عند فالتر فون دير فوجلفايده، هناك مكان اللقاء تحت الزيزفون.
عند جوته، هناك شرق يتحول إلى شريك في الحوار الشعري.
عند درويش، يصبح الوطن سؤالًا شعريًا دائمًا.
وعند لينرت، يتحول المكان إلى "لامكان" بين الثقافات.
وما يجمع هذه التجارب ليس بالضرورة طريقًا واحدًا من التأثير، وإنما ذلك القلق الإنساني العميق الذي يجعل الإنسان لا يكف عن البحث عن شيء بعيد.
قد يكون هذا الشيء حبيبة.
وقد يكون وطنًا.
وقد يكون مجدًا.
وقد يكون معرفة.
وقد يكون هوية.
وقد يكون معنى للحياة نفسها.
ولهذا ربما لا تكون المسافة بين امرئ القيس ولينرت كبيرة كما تبدو.
فالأول وقف أمام مكان غاب عنه أهله، والثاني وجد نفسه في فضاء بين ثقافات وأمكنة. وبينهما أكثر من ألف عام من الشعر، لكن السؤال ظل قريبًا: ماذا يفعل الإنسان عندما يصبح الشيء الذي يمنح حياته معناها بعيدًا عنه؟
يبدو أن الشعر لديه إجابة واحدة، وإن تغيرت لغاته وأشكاله:
إن ما نعجز عن امتلاكه في الواقع، نستطيع أحيانًا أن نمنحه حياة أخرى في القصيدة.
ومن هنا تبدأ رحلة الشعر من الأطلال، ولا تنتهي إلا عند اللامكان.
التعليقات الأخيرة