الموانئ المصرية.. معركة ما وراء الأرصفة
بقلم أزهار عبد الكريم
عندما نسمع كلمة ميناء قد يتبادر إلى أذهاننا رصيف وسفن وحاويات ورافعات..
لكن في عالم اليوم الميناء لم يعد مجرد مكان تصل إليه السفن وتغادره.
الميناء أصبح نقطة تحكم في حركة التجارة، وجزءاً من منظومة الممرات الاستراتيجية التي تربط القارات والأسواق ومصادر الإنتاج بمنافذ التصدير والاستيراد.
ومن هنا تبدأ قصة الموانئ المصرية.
حين تصبح الموانئ عقداً فى شبكة التجارة العالمية.
عندما ننظر على الخريطة نجد أن مصر لا تمتلك مجرد موانئ على بحرين لكن مصر تقع في قلب واحد من أهم طرق التجارة في العالم البحر المتوسط ، قناة السويس ، البحر الأحمر.
ولهذا فإن أي استثمار كبير في الموانئ المصرية لا ينبغي أن يقرأ اقتصاديا فقط، بل يجب أن يقرأ أيضا في ضوء موقع مصر الجغرافي ودورها في حركة التجارة العالمية.
الإسكندرية.. بداية الحكاية
القصة التي أعادت هذا الملف إلى الواجهة مؤخرا هي شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع. فشركة بلاك كاسبيان لوجيستكس هولدنج، التابعة لمجموعة موانئ أبوظبي تمتلك حالياً نحو 19.32% من الشركة، وتستهدف من خلال عرض شراء إجباري محتمل الوصول إلى نحو 90% من أسهمها.
لكن المفاجأة الأهم جاءت في 3 سبتمبر 2026، عندما أعلنت الشركة تلقيها خطاباً من الشركة القابضة للنقل البحري والبري يؤكد عدم رغبتها في بيع أسهمها، كما أعلنت هيئة ميناء الإسكندرية موقفاً مماثلا.
وهنا يجب أن نتوقف.
لأن السؤال ليس
لماذا تريد شركة إماراتية شراء شركة مصرية؟
فالاستثمار حق مشروع، ومصر تحتاج بالفعل إلى استثمارات ضخمة لتطوير الموانئ والخدمات اللوجستية.
لكن السؤال الأهم هو
ماذا يعني امتلاك حصة مسيطرة في شركة تدير نشاطا استراتيجيا داخل أحد أهم الموانئ المصرية؟
وهنا يجب أن نعرف أن
شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع ليست هي ميناء الإسكندرية بالكامل وهذه نقطة يحدث فيها خلط كبير. فالشركة هي مشغل رئيسي لمحطات الحاويات في ميناء الإسكندرية وميناء الدخيلة، وهي شركة مدرجة في البورصة المصرية وتحقق أرباحاً كبيرة. وفي 2025 أعلنت مجموعة موانئ أبوظبي استحواذها على حصة 19.328% كانت مملوكة للشركة السعودية المصرية للاستثمار، مقابل نحو 13.2 مليار جنيه
لكن الملكية أصبحت أكبر لأن هناك حصة أخرى تبلغ 32% مملوكة لشركة ألفا أوركس وهي أيضاً مرتبطة بالجانب الإماراتي. وبذلك أصبحت السيطرة الإماراتية في حدود 51.3% من الشركة
ولأن الإسكندرية تقع على البحر المتوسط، وميناء الإسكندرية والدخيلة مرتبطان بشبكة التجارة المصرية والسكك الحديدية، والشركة نفسها حققت في السنة المالية 2025 إيرادات بلغت نحو 8.37 مليار جنيه وأرباحاً قبل الفوائد والضرائب والاهلاك والاستهلاك بلغت نحو 6.09 مليار جنيه. والأهم أن مجموعة موانئ أبوظبي نفسها تقول صراحة إن استحواذها جزء من استراتيجية لتوسيع وجودها في الممر التجاري بين الشرق والغرب الذي يربط آسيا بالشرق الأوسط وأوروبا.
والأهم أن الإسكندرية ليست ميناء هامشيا . فبحسب مجموعة موانئ أبوظبي نفسها يمثل ميناء الإسكندرية نحو 60% من التجارة الخارجية المصرية وفق أرقام الحكومية المصرية.
فالمسألة ليست مجرد بيع أسهم شركة رابحة. لكن
السيطرة على محطة حاويات ناجحة تعني وجودا في سلاسل الإمداد والتجارة والنقل البحري ..
وعندما ننظر إلى الصورة كاملة، نجد أن وجود مجموعة موانئ أبوظبي في مصر لا يقتصر على الإسكندرية بل تمتد إلى سفاجا. ففي سفاجا بدأت المجموعة التشغيل التجريبي لمحطة متعددة الأغراض بموجب امتياز يمتد 30 عاماً، وتضم المحطة رصيفا يصل إلى نحو ألف متر، وطاقة تصل إلى 450 ألف حاوية نمطية سنويا، إلى جانب قدرات كبيرة للبضائع العامة والسائلة والمركبات.
واللافت أن الموقع الرسمي للمجموعة يصف مصر بأنها إحدى أهم أسواقها الدولية، ويربط محطة سفاجا بشبكة التجارة والنقل العالمية للمجموعة.
إذن لدينا نقطة على البحر الأحمر. ثم نتحرك شمالًا.
السخنة.. عند بوابة القناة
العين السخنة ليست مجرد ميناء آخر. إنها تقع على البحر الأحمر بالقرب من المدخل الجنوبي لمنطقة قناة السويس، ولذلك فإن وجود مشروعات لوجستية ومينائية فيها يكتسب أهمية خاصة.
وهنا تصبح الصورة أكثر وضوحا من الإسكندرية على البحر المتوسط إلى شرق بور سعيد و قناة السويس والسخنه على البحر الأحمر.
إنها ليست مجرد جغرافيا.
إنها خريطة حركة البضائع.
لتصل عند الطرف الآخر
منطقة شرق بورسعيد، الواقعة عند المدخل الشمالي لقناة السويس، حيث أعلنت مجموعة موانئ أبوظبي أيضاً عن تعاون لتطوير منطقة صناعية ولوجستية.
وفي الوقت نفسه، تعمل الدولة المصرية على بناء شبكة أوسع من الممرات اللوجستية تربط الموانئ بمراكز الإنتاج والأسواق الداخلية.
وقد أعلنت وزارة النقل المصرية في يوليو 2026 مجموعة من الممرات اللوجستية، من بينها ممر السخنة،الإسكندرية اللوجستي، وممر سفاجا، قنا ،أبو طرطور، وممرات أخرى تمتد إلى ليبيا والسودان وعمق إفريقيا.
وهنا تظهر الكلمة السحرية
الممرات ..و لأن الميناء وحده لا يصنع قوة تجارية. بل أن
القوة الحقيقية تبدأ عندما يرتبط . الميناء و الطريق و السكك الحديدية و المنطقة الصناعية بالمخازن و الخدمات البحرية و قناة العبور بالأسواق.
عندها يتحول الميناء من رصيف إلى عقدةاستراتيجية.
إذن نحن أمام وجود إماراتي يتوزع على .البحر المتوسط و شرق بورسعيد و قناة السويس و سفاجا و العين السخنة على البحر الأحمر
وهذا ليس استنتاجا بل هذه مشروعات وامتيازات أعلنت عنها المجموعة نفسها.
لكن هناك ما هو أخطر من الموانئ نفسها .
هى أن موانئ أبوظبي لم تدخل مصر كمشغل أرصفة فقط. بل نجد المجموعة استحوذت كذلك على شركات تعمل في الشحن والخدمات البحرية والوكالات والمناولة، وأعلنت أن توسعها في مصر جزء من بناء حضور أوسع في الخدمات اللوجستية والنقل البحري
فنحن هنا لا تتحدث فقط عن
ميناء إماراتي في مصر.
بل عن منظومة متكاملة
من سلسلة القيمة اللوجستية
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة
هل الإمارات تريد السيطرة على الموانئ المصرية ؟
هنا يجب أن نكون دقيقين. فإن القول بأن الإمارات تسيطر على الموانئ المصرية تعميم غير دقيق. لكن
هناك فرق كبير بين ملكية أصل سيادي وبين امتياز تشغيل محطة، وبين امتلاك أسهم في شركة مدرجة.
لكن في المقابل، من الخطأ أيضا النظر إلى كل صفقة بمعزل عن الأخرى.
فعندما نجد استثمارات وامتيازات في مواقع مختلفة على البحر الأحمر والمتوسط، وعندما تتصل هذه المواقع بشبكة خدمات بحرية ولوجستية ونقل يصبح من المشروع طرح سؤال استراتيجي
هل نحن أمام استثمارات منفردة أم أمام بناء شبكة لوجستية متكاملة؟
والإجابة تحتاج إلى دراسة العقود، ومدد الامتيازات، ونسب الملكية، وطبيعة الإدارة، والحقوق التشغيلية، وليس إلى الشعارات.
مصر أمام معادلة صعبة
مصر تحتاج إلى الاستثمار الأجنبي.
وتحتاج إلى تطوير موانئها.
وتحتاج إلى تحويل موقعها الجغرافي إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
لكن في الوقت نفسه، فإن الموانئ ليست مثل أي أصل اقتصادي.
لأن الميناء يرتبط بالأمن الاقتصادي، وسلاسل الإمداد، والتجارة الخارجية، والصناعة، والغذاء، والطاقة، وقناة السويس.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يحكم أي صفقة ليس
كم سندخل من أموال؟
فقط...بل ماذا سنحصل عليه مقابل هذه الأموال؟
ومن يملك القرار؟ و ما حدود الملكية؟ و ما مدة الامتياز؟
فهل تستطيع الدولة المصرية الاحتفاظ بالسيطرة على القرار الاستراتيجي في جميع الظروف؟
فالمعركة الحقيقية ليست على الرصيف .
فالمنافسة العالمية لم تعد فقط على امتلاك السفن. بل
إنها على سلاسل الإمداد.
ومن يملك محطة الحاويات يستطيع أن يكون حاضرا في مرحلة من مراحل انتقال البضائع.ومن يملك الخدمات اللوجستية يستطيع أن يكون حاضرا في مراحل أخرى.
ومن يربط الميناء بالمنطقة الصناعية والنقل البري والسكك الحديدية يستطيع أن يمتد نفوذه من البحر إلى الاقتصاد الحقيقي داخل الدولة.
ولهذا فإن الموانئ المصرية قد تتحول خلال السنوات المقبلة إلى واحدة من أهم ساحات التنافس الاقتصادي في المنطقة.
ليس لأن مصر ضعيفة..بل بالعكس. لأن موقع مصر قوي إلى درجة تجعل القوى الاقتصادية الكبرى تريد أن تكون جزءا من هذا الموقع.
وهنا تحديدا تتقاطع قصة الإسكندرية مع قناة السويس، ومع البحر الأحمر، ومع شرق المتوسط، هو مشروع الممرات الإستراتيجية
فالسؤال لم يعد
من يملك الميناء؟
بل أصبح
من يملك مفاتيح الحركة حول الميناء وهى أهم من قصة الميناء نفسه.
التعليقات الأخيرة