news-details
مقالات

العراق بين ارتهان المحاصصة وإكراهات الخرائط الدولية: تفكيك البنية الحاكمة وآفاق السيادة المقيدة

 


إعداد/ رئيس إتحاد القبائل العراقية 
عدنان صگر الخليفه 

تُفصح التحولات الأخيرة والتصريحات الصادرة من واشنطن بشأن المهل الزمنية لحصر السلاح عن جوهر البنية السياسية التي تحكم العراق، حيث تتداخل التوافقات الحزبية الضيقة مع شروط التوازن الدولي والإقليمي. يقدم هذا التحليل قراءة متكاملة للمشهد، تستند إلى أبعاد الهيكلية الحاكمة وآفاق الحل الوطني الخالق للسيادة.
وظيفة رئيس الوزراء في ميزان التوافقات والتعهدات الخارجية
لا يتحرك رئيس مجلس الوزراء في المعادلة السياسية القائمة كصانع قرار منفرد أو معزول عن بيئته الحزبية، بل يمارس دوره بصفته الحامل المباشر للأجندة التوافقية بين أطراف السلطة في الداخل، والمرسِل لرسائل التطمين إلى مراكز الشرعية المالية والدولية في الخارج. إن تحديد السقف الزمني لحصر السلاح لم يكن نتاج اجتهاد شخصي طارئ، بل جرى هندسته كخطوة مبرمجة ضمن ورقة التفاهمات السياسية التي أُرسلت إلى واشنطن لانتزاع القبول الدولي وإدامة الحماية المالية والدبلوماسية للنظام الحاكم.
ثنائية الخطاب واستراتيجية إدارة الشارع
تعتمد القوى النافذة استراتيجية السلوك المزدوج في التعامل مع المقررات الحساسة، إذ يلتزم الخطاب الحكومي الرسمي بالمسار الدولي لطمأنة المجتمع الدولي وضمان استمرار المصالح الاقتصادية، بينما تتكفل الأذرع السياسية والإعلامية بإطلاق أصوات الاعتراض والتخوين. لا يستهدف هذا الصراخ الإعلامي إعاقة القرارات أو نقضها في الغرف المغلقة، بل يُستخدم كأداة لامتصاص الصدمات أمام القواعد الجماهيرية والعقائدية، ولتفريغ الشحنات السياسية بإلقاء التبعة الأخلاقية والتنفيذية على عاطق رئيس الوزراء وحده، مع الاحتفاظ بهامش مناورة مستمر للضغط والتفاوض على كلفة التطبيق.
تقاطع النفوذ الخارجي وتوازنات الردع
يقع القرار السياسي العراقي تحت تأثير ثنائية نفوذ محكمة؛ تتجسد الأولى في السيطرة الأمريكية على البوابة المالية والإيرادات النفطية عبر البنك الفيدرالي إلى جانب الغطاء الدبلوماسي، بينما تتجذر الثانية في الحضور الميداني والعقائدي والسياسي العميق لإيران داخل المؤسسات والتحالفات الحاكمة. يستمر المشهد الإداري بالدوران ضمن هذا الهامش طالما بقيت التفاهمات الضمنية وقواعد الاشتباك متوازنة بين واشنطن وطهران، مما يجعل القرارات المصيرية محصلة لتوافق الإرادتين الخارجيين بدلاً من كونها تعبيراً عن إرادة وطنية مستقلة.
غياب المشروع الجامع وإدارة بقاء المنظومة
يكشف الواقع الميداني عن غياب رؤية استراتيجية لدى القوى الحاكمة لبناء دولة ذات سيادة كاملة على أراضيها وسمائها، حيث استُعيض عن مفهوم حماية الوطن بمفهوم الحفاظ على المعادلة الحاكمة. تُدار مؤسسات الدولة ومواردها بصفتها أدوات لتأمين الاستمرارية والمناصب والمنافع الحزبية، فيما تُسخّر الملفات السيادية الكبرى كأوراق للمساومة والمناورة وتسكين الشارع، مما أفرغ مفهوم السيادة الوطنية من مضمونه الفعلي لصالح تمكين النفوذ الفئوي.
العراق في مهب إعادة رسم الخرائط الإقليمية
تتجاوز التطورات الراهنة حدود المناكفات المحلية لتندمج مباشرة في مسار إعادة هيكلة الشرق الأوسط والصراع الإقليمي الممتد. تنحصر وظيفة الفاعلين المحليين في التكيف مع الخرائط والحدود التي ترسمها القوى الكبرى، مما يجعل المهل الزمنية والقرارات الأمنية مجرد أدوات لتكييف المشهد الداخلي مع متطلبات المواجهة الإقليمية. بناءً على ذلك، تتجه مآلات هذه القرارات نحو التمرير المظهري والتكيف الشكلي الذي يرضي المجتمع الدولي إعلامياً، مع الحفاظ على جوهر القوة والنفوذ الميداني للقوى الحاكمة في الداخل.
المحاصصة الدولية والمخرج الوطني عبر الإصلاح الانتخابي
يبقى الاعتراف جلياً بأن العراق، ما دام خاضعاً لنظام المحاصصة الحزبية والمكوناتية ومقترناً بقبول المجتمع الدولي لهذه المعادلة وشرعنتها، سيبقى من المستحيل عليه امتلاك سيادة حقيقية أو قرار وطني مستقل. إن الارتهان للتوازنات الفئوية يمنع قيام الدولة الضامنة للجميع، مما يجعل الأولوية الوطنية الأولى تتلخص في التفكيك المباشر لقوانين الانتخابات التي تُغذي هذه المحاصصة. يكمن الحل الجذري في اعتماد قانون انتخابي يعامل العراق كدائرة انتخابية واحدة، يُطرح من خلالها الاقتراع المباشر لشخصين محددين يترشحان لمنصبي رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية. إن إخراج هذين المنصبين السياديين من دائرة المساومات الحزبية والتوافقات المكوناتية عبر التفويض الشعبي المباشر هو السبيل الوحيد لبناء سلطة تنفيذية تتمتع باستقلالية القرار والشرعية الوطنية، وتؤكّد لسيادة عراقية ناجزة غير خاضعة لإملاءات الأحزاب أو التوازنات الخارجية.

6 ايلول 2026

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا