news-details
مقالات

الإسكندرية... المدينة التي ودَّعت الملوك واستقبلت ميلاد الجمهورية حين كتب البحر آخر سطور الملكية، وبدأت مصر فصلًا جديدًا من الخلود

 


إعداد: مصطفى صبحي

ليس التاريخ سجلًّا للأحداث، بل سجلٌّ للحظات التي غيَّرت مصير الأمم. وفي تاريخ مصر أيامٌ لا تُقاس بالساعات، وإنما تُقاس بما أحدثته في وجدان شعب، وما تركته من أثر في حاضر وطن ومستقبله. ومن بين تلك الأيام، يشرق الثالث والعشرون من يوليو 1952 كالفجر الذي بدَّد ليلًا طويلًا، ويقف السادس والعشرون من يوليو شامخًا كالمساء الذي أسدل الستار على عصرٍ كامل، لتكون الإسكندرية هي المدينة التي احتضنت نهاية الملكية، وباركت ميلاد الجمهورية.
كانت مصر، في النصف الأول من القرن العشرين، تبدو كعملاقٍ مكبل بالقيود؛ احتلالٌ ينهب الإرادة، وفسادٌ ينخر مؤسسات الدولة، وإقطاعٌ يحاصر الفلاح، وفقرٌ يطارد الملايين، بينما كانت هزيمة فلسطين سنة 1948 جرحًا مفتوحًا كشف أن الأزمة لم تكن في الجندي المصري، بل في النظام الذي أدار الوطن.
ومن بين رماد تلك الهزيمة، خرج رجال لم يبحثوا عن مجدٍ شخصي، بل عن وطنٍ يستحق الحياة. تشكل تنظيم الضباط الأحرار في صمت، ونمت فكرته كما تنمو البذور في أعماق الأرض قبل أن تشق طريقها إلى النور. لم يكن عددهم هو ما منحهم القوة، بل كانت قوة الإيمان بأن مصر تستحق مستقبلًا يليق بتاريخها.
وحين أقبل فجر الثالث والعشرين من يوليو، لم تكن الدبابات تتحرك في شوارع القاهرة وحدها، بل كان التاريخ نفسه يتحرك، يطوي صفحةً امتدت قرابة قرن ونصف، ويفتح أخرى عنوانها الكرامة الوطنية.
ثم جاءت اللحظة التي اختارت لها الأقدار مدينة الإسكندرية.
هنا... عند شاطئ البحر المتوسط... حيث تختلط أمواج البحر بعبق الحضارات، وحيث مرَّ الإسكندر الأكبر، ووقف صلاح الدين، وأبحرت سفن التجارة والعلم، شاء القدر أن يُكتب الفصل الأخير من الحكم الملكي.
في قصر رأس التين، وقف الملك فاروق يودع العرش الذي ورثه عن أسرة حكمت مصر منذ محمد علي باشا. ثم مضى إلى اليخت الملكي المحروسة، الذي شق مياه البحر في 26 يوليو 1952، حاملاً آخر ملوك مصر إلى المنفى.
يا لها من مفارقةٍ مدهشة!
فالسفينة التي حملت الخديوي إسماعيل إلى المنفى عام 1879، هي نفسها التي حملت حفيده الملك فاروق بعد ثلاثة وسبعين عامًا، وكأن البحر كان يحتفظ بذاكرته، وكأن الزمن أراد أن يقول إن الدول تبقى، أما العروش فتعبر كما تعبر السفن.
ومن هنا لم يكن اختيار 26 يوليو عيدًا قوميًا للإسكندرية تكريمًا ليومٍ عابر، بل لأنه اليوم الذي وقفت فيه المدينة شاهدةً على انتقال مصر من زمن الملوك إلى زمن الجمهورية، ومن حكم الأسرة إلى حكم الدولة.
ثم جاء 18 يونيو 1953، فأُعلنت الجمهورية رسميًا، وسقط آخر لقبٍ ملكي من سجل الحكم المصري، وأصبح اللواء محمد نجيب أول رئيس للجمهورية، قبل أن يتولى جمال عبد الناصر قيادة الدولة، ليبدأ عهدٌ حمل آمال الملايين في الاستقلال، والعدالة، والتنمية، والسيادة الوطنية.
ولم تكن الإسكندرية مجرد مدينة احتضنت هذه اللحظة، بل كانت شريكةً في صناعتها. فمن شواطئها انطلقت رسالة إلى العالم كله تقول إن الأمم العريقة لا تموت، وإنما تتجدد، وإن مصر التي صنعت الحضارة قبل آلاف السنين، ما زالت قادرةً على إعادة كتابة تاريخها بيد أبنائها.
ولعل هذا هو السر الحقيقي في عظمة الإسكندرية؛ فهي ليست مدينةً تعيش على أمجاد الماضي، بل مدينةٌ تصنع المجد كلما ناداها الوطن. كانت عاصمةً للعلم في العالم القديم، وحصنًا للإيمان، ومنارةً للثقافة، ثم أصبحت في يوليو 1952 بوابة العبور إلى الجمهورية.
إن من يقف اليوم أمام قصر رأس التين لا يقف أمام حجارةٍ صامتة، بل أمام محرابٍ من محاريب التاريخ، حيث انحنى عصرٌ كامل أمام إرادة شعب، وحيث أثبتت مصر أن الأوطان لا تُقاس بعدد الملوك الذين مروا عليها، وإنما بقدرتها على النهوض كلما ظن العالم أنها تعبت.
وهكذا، سيظل 23 يوليو فجرًا لا يغيب، وستظل 26 يوليو شمسًا لا يأفل نورها في ذاكرة الإسكندرية، لأنهما لم يكونا مجرد تاريخين في التقويم، بل كانا ميلادًا جديدًا لوطنٍ قرر أن يكتب مستقبله بيده.
وإذا كانت المدن تُخلَّد بما تبنيه من قصور، فإن الإسكندرية خُلِّدت لأنها شهدت سقوط قصر، وولادة وطن.

"قد يكتب المؤرخون أن الثورة بدأت في القاهرة، لكن التاريخ سيظل يهمس بأن الجمهورية ودَّعت آخر ملوكها من شاطئ الإسكندرية، حيث وقف البحر شاهدًا، ووقف الزمن خاشعًا، ووقفت مصر لتبدأ فصلًا جديدًا من الخلود."

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا