news-details
منوعات

الوعي البديل كيف تحولت الشعوب من "حامية الأوطان" إلى "ساحة المعركة"؟

كتبت /منى منصور السيد 


شهد الفكر العسكري المعاصر تحولاً جذرياً في طبيعة الصراعات وإستراتيجيات إدارة الحروب، فلم تعد الساحة الدولية تقتصر على المواجهات التقليدية بالمدفع والدبابة، بل انتقلت إلى معارك أكثر تعقيداً تستهدف العقول والوعي المجتمعي؛ وهو ما برز بوضوح وجلاء في التحليل العميق والنوعي الذي قدمه معالي اللواء أركان حرب دكتور سمير فرج في مقاله الأخير، حيث فكك من خلاله بنية حروب الجيل الرابع والخامس، ممهداً الطريق لفهم آليات الاختراق الحديثة التي تواجه الدول في العصر الرقمي.
بدأت الرؤية التحليلية لمعالي اللواء برصد تاريخي دقيق لتطور العقيدة العسكرية، متتبعاً أجيال الحروب من مهدها الأول؛ حيث كانت الصراعات البدائية تعتمد على القوة البدنية والأدوات التقليدية كالعجلات الحربية والسيوف في العصور الفرعونية، مروراً بالجيل الثاني الذي ولد من رحم اكتشاف البارود وتوظيف النيران والمدافع، وصولاً إلى الجيل الثالث الذي اتسم بحروب الآلات الثقيلة والأسلحة المشتركة كالطائرات والغواصات خلال الحربين العالميتين.
ولم يكن هذا السرد التاريخي مجرد توثيق زمني، بل كان تمهيداً إستراتيجياً لفهم نقطة التحول الكبرى التي أعقبت حرب فيتنام؛ إذ تولدت لدى القوى العظمى عقيدة سياسية جديدة تتجنب التورط المباشر بجيوشها، مما أدى إلى بروز ظاهرة "الحرب بالوكالة"، والتي تجسدت تاريخياً في المشهد الأفغاني خلال فترة الثمانينيات، وما تلاها من تداعيات تمثلت في خروج تنظيمات متطرفة كالقاعدة وداعش من عباءة تلك الصراعات الموجهة.
وتتجلى القيمة الفلسفية الأهم في طرح معالي اللواء عند إعادة تعريفه لمفهوم "إسقاط الدول"، حيث استدعى نموذجاً تطبيقياً عبقرياً من التاريخ الوطني وهو حرب الخامس من يونيو ١٩٦٧؛ موضحاً أنه رغّم تدمير الجزء الأكبر من العتاد العسكري، لم تسقط الدولة المصرية لصلابة وتلاحم جبهتها الداخلية وشعبها مع القيادة والجيش. ومن هذا المنطلق، أدرك الفكر الإستراتيجي العالمي أن الهزيمة العسكرية التقليدية لا تعني انهيار الأوطان، مما دفع الأطراف المعادية إلى تغيير وجهة سلاحها من "صدام الجيوش" إلى "تفكيك وعي الشعوب" وفصل ثقتها عن مؤسساتها الوطنية.
وفي هذا السياق، وضع المقال حداً فاصلاً ودقيقاً للتمييز الإجرائي بين الأجيال الحديثة للحروب؛ فبينما تُعرف حروب الجيل الرابع بأنها السعي لإسقاط النظم وتفكيك مفاصل الدول من الداخل عبر التأثير على فكر المواطن والاعتماد على قوى ناعمة هدامة، تأتي حروب الجيل الخامس لتمثل الامتداد التقني ذاته ولكن باستخدام التكنولوجيا الرقمية المتقدمة كأداة تنفيذية أساسية ومحركة للأحداث.
وقد استعرض التحليل ترسانة الأسلحة غير التقليدية التي تعتمد عليها هذه الحروب لتحقيق أهداف الصراع التقليدي بأقل تكلفة مادية وبأعلى درجات التنصل الإستراتيجي أمام المجتمع الدولي؛ وتتنوع هذه الأدوات بين أسلحة نفسية واجتماعية كالمرض الإداري، والفساد، وبث الشائعات، ونشر المخدرات، وإذكاء الفتن العرقية والطائفية، إلى جانب الأسلحة الإعلامية والرقمية المتطورة وعلى رأسها وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية التي تستهدف عقول الشباب بشكل مباشر.
واختتم معالي اللواء أركان حرب سمير فرج طرحه ببراعة ومحاذاة ذكية، واضعاً يده على السلاح الأكثر خطورة وتدميراً في منظومة الجيل الخامس وهو "الكتائب الإلكترونية"، معتبراً إياها القوة الضاربة التي توظف التكنولوجيا لتوجيه الرأي العام وتزييف الحقائق، ومبقياً الباب مفتوحاً أمام استكمال هذا التشخيص الإستراتيجي البالغ الأهمية في القادم من أطروحاته، ليبقى المقال بمثابة جرس إنذار ووثيقة وعي متكاملة تحمي العقول قبل الحدود.

 

الوعي البديل كيف تحولت الشعوب من "حامية الأوطان" إلى "ساحة المعركة"؟

 

مراجعة وصياغة الدكتور مجدي كامل الهواري 
مراجعة لغوية وتحريرية وتدقيق  المغيره بكري
جريدة الأضواء المصرية

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا