إصبع على الجرح .. الزيارة والسيادة
..
بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي ..
لم تعد أروقة الدبلوماسية الدولية في كثير من الأحيان ساحات لتبادل المصالح المشتركة أو منابر لتقريب وجهات النظر بين دول ذات سيادة وفي مشهد سياسي يدعو للتأمل باتت الزيارة المزمع قيامها من قبل رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن عاصمة امريكا الدولة المتغطرسة الطاغية العدوانية تزامنا مع استمرار عدوانها على سيادة الأراضي العراقية وعلى الجارة ايران واهلنا في لبنان وغزة تبدو أقرب إلى بروتوكول إذعان منه إلى حراك دبلوماسي حقيقي . سيذهب دولة الرئيس تلبية لأمر أو استدعاء معلن أو غير معلن حاملا معه ملفات العراق السرية وإيران العلنية ليناقشها بوجوه من الصعب أن تكون واثقة أو برؤى وطنية مستقلة بل لتقف في طابور انتظار الإملاءات والشروط . عندما يغيب الرأي وتتوارى وجهات النظر خلف جدران المكاتب البيضاء لتلك القوة الطاغية يبرز السؤال الأزلي والملح الذي يتردد في أذهان الشعب العراقي أين هي السيادة ؟ وماذا تبقى منها في تفاصيل هكذا زيارة ؟! رئيس طاغية يملي وبغداد تتلقى لتقول نعم نعم نعم .. في أدبيات العلوم السياسية تُعرّف القمة السياسية بأنها لقاء قمة لتبادل الأفكار وبناء التحالفات على قاعدة الندّية والمصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للمتحالفين .. لكن الواقع الراهن يقدم قراءة مغايرة تماما . سيغادر الرئيس إلى واشنطن لأمر مغلف بدعوة دبلوماسية ، ليتفاجأ أو ربما هو يعلم مسبقا أن مقعده على طاولة المفاوضات ليس مقعد الشريك بل مقعد المتلقي . لا مساحة هناك لوجهة نظر تدافع عن مصالح العراق ولا مجال لطرح رأي يغير مجرى القرارات . اللقاءات تختصر في ملفات جاهزة وشروط مسبقة الصنع وإملاءات تمس صلب القرار الوطني والاقتصادي والسياسي
والعسكري للعراق . لن نتنبأ لكن الزيدي سيخرج من البيت الابيض دون أن يملك رفاهية التعديل على سطر واحد مما أُملي عليه ليعود إلينا حاملا قائمة الواجبات التي يتعين عليه تنفيذها لإرضاء الطاغية ترامب . هنا سيصبح الاستقلال حبرا على ورق
فالسيادة الوطنية ليست مجرد علم يُرفع أو نشيد يُعزف في المطار بل هي القدرة المطلقة على قول لا عندما تتعارض إملاءات الخارج مع مصالح الداخل .
عندما تُسلب من القائد القدرة على صياغة موقف بلاده وعندما يذهب إلى واشنطن بلا وجه سياسي مستقل وبلا إرادة حرة فإن مفهوم السيادة يتآكل حتى يصبح هيكلا فارغا من أي مضمون . ماذا يتبقى منها عندما يتخلى القائد عن دور المحاور الشجاع ليتحول إلى منفذ للسياسات والشروط المذلة التي تفرضها القوة الطاغية لضمان مصالحها وهيمتنها فقط ؟ السيادة في هذا السياق تتحول إلى مجرد وهم يباع للشعوب عبر وسائل الإعلام المحلية في حين أن الحقيقة المُرة تُكتب تفاصيلها في غرف التحقيق الدبلوماسي للبيت الأبيض . إن القبول بدور التابع لا يقف عند حدود الإحراج الدبلوماسي في الصور التذكارية كما حصل للأخ السوداني في مؤتمر السلام بمصر بل يمتد لينعكس سلبا على حاضر الشعب العراقي ومستقبله . السؤال الذي يفرض نفسه هل ستشكل هكذا زيارة فجوة الثقة بين الشعب والنظام ؟؟ عندما يتحول الوطن إلى ساحات نفوذ ليساق العراق بارادة امريكية جراء غياب رؤية وطنية عراقية مستقلة . إن التاريخ لا يرحم الضعفاء والذاكرة السياسية للشعوب لا تحتفظ بأسماء من
انحنوا أمام عواصف الغطرسة الدولية . إن استعادة السيادة تبدأ من امتلاك الرأي والقدرة على التعبير عن وجهة النظر بصلابة وإدراك أن العلاقات الدولية يجب أن تقوم على احترام الاستقلال المتبادل لا على نظام السادة والعبيد . وطالما ظلت هذه الزيارات تُلبي الأوامر وتستجيب للإملاءات دون قيد أو شرط . سيبقى السؤال أين هي السيادة ؟ صرخة في واد سحيق يبحث عن إجابة حقيقية في واقع مرير لم يتبق فيه من السيادة سوى قشور البروتوكول وادعاءات اشباه الساسة .. هي وجهة نظر وحسبنا الله ونعم الوكيل .
التعليقات الأخيرة