الفصل الاول من ديوان مدينة الحكايات التي تسكن القلوب
بقلم الكاتب الصحفي وشاعر البسطاء سعيد سعيد أمام
الفصل الاول
الرجل الذي كان يبيع الاعمار المستعملة
في اخر المدينة
بعيد عن زحمة الباعة وبعيد عن صخب المقاهي وبعيد عن الناس اللي بتجري طول الوقت ومش عارفة هي رايحة على فين
كان فيه دكان صغير
لافتته باهتة وحروفها متاكل منها الزمن
مكتوب عليها
هنا تباع الاعمار المستعملة
الناس كانت تعدي قدامه وتضحك
واحد يقول
الراجل ده اكيد مجنون
والتاني يقول
هو العمر بيتباع ويتشري
والتالت يهز كتافه ويمشي كأن الجملة ما هزتش جواه حاجة
لكن في يوم
وقفت قدام الدكان
مش عشان اشتري
ولا عشان اتفرج
لكن عشان كنت تعبان
تعب مش باين في الملامح
ولا يبان في التحاليل
تعب من النوع اللي يسكن الروح
دخلت
لقيت راجل كبير
شعره ابيض وعينيه مليانة حكايات
قاعد قدام مكتب خشب قديم
وبيكتب في دفتر اسود
رفع عينه وبصلي
وقال
اتأخرت
قلت
تعرفني
ابتسم
وقال
انا ما اعرفش اسمك
لكن اعرف التعب اللي جابك
اعرف شكل الناس اللي خسرت حتت من عمرها وهي فاكرة انها بتكسب
سكت شوية
وبعدين قال
تحب تشوف الاعمار المستعملة
بصيت حوالي
لقيت رفوف طويلة
مش عليها كتب
ولا صناديق
ولا تحف قديمة
كل رف كان عليه ورقة صغيرة
مكتوب عليها
عمر ضاع في ارضاء الناس
عمر ضاع في الخوف
عمر ضاع في الانتظار
عمر ضاع مع شخص ما يستاهلش
عمر ضاع في اثبات النفس لناس عمرها ما هتقتنع
عمر ضاع في كلمة لو
وقفت قدام رف كبير
وسألته
والناس دي راحت فين
قال
عاشت وماتت
بس ما عاشتش عمرها الحقيقي
قلت
يعني ايه
قال
يعني واحد كان نفسه يبقى رسام
خاف من كلام الناس
اشتغل شغلانة بيكرهها اربعين سنة
ومات وهو بيقول ياريت
واحدة كان نفسها تعتذر
لكن كبرها منعها
وضاع العمر بينها وبين اغلى الناس
اب فضل يجري ورا الفلوس
لحد ما اكتشف ان ولاده كبروا وهو ما شافهمش
وشاب فضل مستني الظروف تتحسن
لحد ما الظروف خلصت عليه
وبصلي وقال
اكتر كلمة بتتباع هنا
هي ياريت
حسيت ان الكلمة خبطت في صدري
كملت بصمت
لقيت رف صغير في اخر الدكان
عليه ورقة واحدة
مكتوب فيها
عمر اتعاش صح
سألته
هو قليل كده
ابتسم
وقال
لان اغلب الناس بتعيش زي ما الدنيا عايزاهم
مش زي ما قلوبهم كانت بتحلم
قعدت قدامه
وقلت
طب وانت
مين
قال
انا مجرد شاهد
شفت ناس كتير
بتفقد عمرها وهي بتجري ورا حاجات مش محتاجاها
وشفت ناس عمرها قصير
لكن عاشت كل يوم فيه كأنه عيد
قلت
يعني العمر مش بالسنين
قال
العمر الحقيقي
هو عدد المرات اللي حسيت فيها انك حي
عدد الضحكات اللي خرجت من قلبك
عدد المرات اللي سامحت فيها
عدد المرات اللي قلت بحبك من غير خوف
عدد الاحلام اللي حاربت عشانها
عدد الناس اللي سبت في قلبها اثر طيب
بصيت للدكان مرة اخيرة
وقلت
يعني اقدر اشتري عمر جديد
هز راسه
وقال
لا
الاعمار المستعملة لا تباع
هي فقط للفرجة
عشان الناس تعرف قيمة اللي باقي
ثم فتح الدفتر الاسود
وكتب اسمي
ناولني ورقة بيضا
وقال
دي الصفحات اللي لسه ما اتكتبتش
اعمل معروف
اوعى تبيعها رخيصة
خرجت من الدكان
والمدينة زي ما هي
الناس بتجري
والعربيات بتزمر
والباعة بينادوا
لكن انا ما كنتش نفس الشخص اللي دخل
ولأول مرة فهمت
ان اخطر خسارة في الدنيا
مش خسارة المال
ولا خسارة الناس
لكن انك تصحى في اخر العمر
وتكتشف
انك كنت عايش حياة لا تشبهك
وانك بعت اجمل ايامك
مقابل خوف
او انتظار
او رضا ناس
مش هيفتكروا اسمك بعد رحيلك
ومن يومها
كل ما اسمع حد يقول
لسه قدامي وقت
افتكر الراجل العجوز
ودكانه الصغير
واللافتة القديمة اللي كانت بتقول
هنا تباع الاعمار المستعملة
ثم اسمع صوته من بعيد
العمر مش بيتقاس بعدد السنين
العمر بيتقاس بعدد المرات اللي كنت فيها نفسك فعلا
ولما بصيت للورقة البيضا اللي في ايدي
عرفت
ان الحكاية لسه في اولها
وان الصفحة الجاية
اخطر بكتير من كل اللي فات
كلمات وتأليف شاعرالبسطاء سعيدسعيدامام
التعليقات الأخيرة