التمثيل السياسي الشيعي في العراق بعد 2003: قراءة تحليلية في النشأة والتطور والأشكاليات ورد الشبهات..!!
غيث العبيدي ـ ممثل مركز تبيين للتخطيط والدراسات الإستراتيجية في البصرة.
▪️ المقدمة:
تنطلق هذه الدراسة من فرضية الأساس الواقعي لوصول الشيعة لمركز القرار في العراق بعد 2003، ليس ک ”غلبة طائفية“ كما تروج الأطراف الأخرى المعارضة لهم، بل هو تصحيح تاريخي للمسار السياسي الذي ظلم الأغلبية السكانية قرناً كاملاً، ويأتي هذا التصحيح كأستحقاق تاريخي بناءً على النتائج الأنتخابية والتوافقات الدستورية، وليس غنيمة سياسية تم الأستيلاء عليها بالنفوذ والسيطرة، فمنذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 إلى 2003، حكمت العراق الأقلية السياسية بمسمى الأغلبية السنية، وبالرغم من إن الشيعة يشكلون نسبة 65% الأ أن حكم الأقلية لم يكن حكم كفاءات ولا مهارات إطلاقاً، بل نظام إستبعاد ممنهج للشيعة، وحتى بعد 2003 وسقوط البعث الصدامي البائد، لم يحاولوا الشيعة إسترجاع حقهم المسلوب بالقوة، بل النظام الإنتخابي النسبي هو من منحهم ذلك الأمتياز، تطبيقاً لمبدأ الشعب مصدر السلطات.
▪️ الأطار التاريخي من الإستبعاد للمشاركة:
بعد 2003 وسقوط النظام تغيرت المعادلة جذرياً بسبب ثلاث عوامل..
1️⃣ النظام الإنتخابي النسبي، غير ديمغرافية السكان رأساً على عقب، وكشف حجم الأغلبية الشيعية، فأصبح التمثيل البرلماني يعكس الوزن السكاني لأول مرة في العراق.
2️⃣ الوصايا الأمريكية وقرارات الحكومة المؤقته في عهد بول بريمر التي إعتمدت نظام المحاصصة فذهب منصب رئاسة الوزراء إلى الشيعة كأستحقاق إنتخابي.
3️⃣ لعبت مرجعية النجف الأشرف دور صانع الملوك بطريقة غير مباشرة، من خلال دعم وترسيخ النظام الانتخابي وفتوى الجهاد الكفائي في عام 2014.
▪️ آليات التمثيل الحالية:
يقوم التمثيل السياسي الشيعي في الوقت الراهن على ثلاث مستويات مترابطة ومتداخلة، ولا يمكن فصل بعضها عن الأخر بسهولة وكما يلي..
أولاً: المستوى البرلماني والتي تتنافس فيه الكتل السياسية إنتخابياً لتشكيل الحكومة.
ثانياً: المستوى الأخلاقي الذي تقوم فيه المرجعية الدينية بالتوجهيات العامة وتقديم النصائح والأرشادات للسياسين بدون ترشيح مباشر.
ثالثاً: المستوى العسكري مثل فصائل الحشد الشعبي الذراع الأمني الرسمي بعد 2014.
بالمحصلة النهائية أصبح الشيعة الفاعل الأكبر بالعملية السياسية، لكنهم أصتدموا بأشكاليات مختلفة سنورد بعضها في أدناه.
▪️ إشكاليات التمثيل:
بين النقد الداخلي والتشكيك الخارجي واجه التمثيل السياسي الشيعي إشكاليات متعددة ومن أهمها..
أ. إشكالية التمثيل الداخلي:
الكتل السياسية الشيعية لا تمثل كل الشيعة، لكون الشيعة طائفة متنوعة، فهناك فروقات كبيرة بين شيعة الجنوب الفقراء، وشيعة ”نريد وطن“ وشيعة التيارات الأسلامية الرافضة للنظام السياسي الحالي، ونرى مثل هذا الفرق بين شيعة بغداد الوسط، وشيعة التيارات المدنية، وشيعة التوازن السياسي، وهذا يعني إن هناك أزمة شرعية للتمثيل داخل البيت الشيعي نفسه.
ب. إشكالية التمثيل الخارجي:
التمثيل السياسي الشيعي المرتبط إقليمياً ”بالهلال الشيعي“ وطبيعة العلاقة مع جمهورية إيران الإسلامية، جعل الأطراف الأخرى والخصوم في داخل وخارج العراق يشككون بولائهم للوطن، ويصورون هذا التمثيل بمثابة الطابور الخامس.
ج. إشكالية الفساد:
نظام المحاصصة الأمريكي، الذي مكن الشيعة من الحصول على رئاسة الوزراء، هو نفسه من كبلهم وقيد إيديهم، فتوزيع الوزارات حسب المكونات جعل الوزارة غنيمة طائفية، وهذا هو الأساس الذي بذرت فيه سلطة الائتلاف المؤقت برئاسة بول بريمر بذور الفساد والمحسوبيات والعلاقات التي أضعفت الدولة.
▪️ رد الشبهات:
الربط المباشر بين التمثيل السياسي للشيعة وبين الفساد في العراق هو أختزال مضلل، يخدم أجندة خصوم النظام السياسي الحالي، والحقيقة تقول إن الفساد ليس شيعياً، بقدر ماهو أرث بنيوي خلفه الأحتلال الأمريكي، وتغذية شبكات إقليمية ودولية، ويستفيد منه كل من يعادي مشروع الدولة القوية الذي تقوده الكتل الشيعية الوطنية، وسنحاول هنا تفكيك أكذوبة فساد الأغلبية قدر الأمكان وكما يلي..
1️⃣ الشيعة لم يصنعوا الفساد لكنهم ورثوا دولة فاسدة، فأرث الأحتلال الأمريكي هو من أسس إقتصاد الكاش والعقود ذات الكلف العالية بلا رقابة، وسلطة المحافظ والوزير بلا محاسبة، حتى أن سلطة بول بريمر فقدت أكثر من 8 مليار دولار من عائدات النفط العراقية قبل أول حكومة منتخبة. وهذا فساد إمريكي لكن تهمته ألصقت بالشيعة.
2️⃣ عندما أستلم الشيعة الحكم في العراق كانت الدولة مفككة، والمؤسسات الأمنية بلا جيش وبلا أنظمة سيادة، والدوائر بلا موظفين ولا سلطة رقابة، والفساد يزدهر بالفراغ والفراغ صنعه المحتل لا الشيعة.
3️⃣ حرب التفجيرات والمفخخات وداعش أستنزفت الرقابة تماماً، فكان هم الدولة العراقية هو توفير الأمن وحماية المواطن. والتكفير والتفخيخ والأرهاب صناعة إقليمية ودولية وليس من صنع الشيعة.
4️⃣ عند تحليل الوقائع نجد إن أبرز خطوات مكافحة الفساد قادتها القوى الشيعية، فمثلاً الحكومات الشيعية هي من ألغت نواب رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء، والدرجات الخاصة، وكل ملفات استرداد الأموال الكبرى فتحتها الحكومات الشيعية، وحاولت تمرير حكومة التكنوقراط لكنها أستصدمت بجدار من يعارضها من باقي المكونات الاخرى. فمن يدعم الفساد ويعرقل الأصلاح من أراد أن يكون العراق سوقاً مفتوحاً وليس الشيعة.
5️⃣ لم تسكت مرجعية النجف الأشرف يوماً عن الفساد فكانت في كل خطاباتها ترسل تحذيرات نارية حول سرقة المال العام وتدمير الدولة العراقية، ووقفت بحزم بوجه الفاسدين عندما سكت الأخرين.
▪️ الخاتمة:
لم يكن الشيعة يوماً طلاب غنيمة بل كانوا ومازالوا طلاب وطن وطلاب عقيدة، والفساد ليس قدرهم ولا هم قدر الفساد، لكنه دخيل عليهم وعلى تاريخهم الحافل بالتضحيات، ومن رحم الظلم الذي عاشوه قرناً كاملا ولدت ارادتهم لبناء دولة قوية لكن هناك جهات داخلية وإقليمية ودولية تريدهم رقم في الاحصاء لا صوت في القرار.
وبكيف الله.
التعليقات الأخيرة