شالة (Chellah) (١٢) *
ملفينا توفيق ابومراد / لبنان
*
الفينيقيون في أفريقيا
مدخل تاريخي: أصل التسمية والجذور الأمازيغية.
تُعتبر "شالة" (الموقع الأثري الشهير في العاصمة المغربية الرباط) في الأصل مستوطنة أمازيغية عريقة. وقد عُرفت في تلك الحقبة بالاسم الأمازيغي الأصلي "بشالا"، وهو لفظ يعني في اللغة الأمازيغية "الوفرة" أو "الكثرة"، وذلك نظراً لخصوبة أرضها المتميزة ووفرة مياهها العذبة.
قبل وصول العصر الفينيقي إلى العاصمة المغربية الرباط، كانت شالة مأهولة بـ قبائل الجيتول الأمازيغية (المعروفة أيضاً بقبائل جزولة). وقد استقر هؤلاء السكان في هذه المنطقة الغنية بالموارد المائية منذ حوالي 3 آلاف سنة، لتتحول المنطقة لاحقاً على يد الفينيقيين إلى مركز تجاري محوري، حيث وضعوا حجر الأساس لهويتها كمركز استراتيجي واقتصادي بارز.
المحاور الأساسية للوجود الفينيقي في شالة
1. التأسيس العمراني والتجاري
أقام الفينيقيون في شالة خلال "القرن السادس قبل الميلاد" مركزاً تجارياً وسوقاً استراتيجياً على ضفاف نهر "أبي رقراق" بالقرب من المحيط الأطلسي ، ربط هذا المركز المنطقة بشبكة التجارة البحرية الفينيقية ؛ يُعد الوجود الفينيقي من أقدم المراحل الحضارية والتجارية الموثقة تاريخياً في المنطقة.
حتى دعيت باسم "سالا كولونيا" منذ تلك الحقبة، وهو الاسم الذي تحول لاحقاً مع الرومان إلى مستعمرة رسمية.
2. الموقع الاستراتيجي والميناء
اختار الفينيقيون ضفة "شالة" بعناية فائقة بفضل مياهها العذبة وتوفر ميناء طبيعي آمن؛ يسهل رسو السفن التجارية وتسيير القوافل الداخلية في المغرب الأقصى.
شيدوا ميناءً نهرياً ومحطة تجارية هامة عند مصب نهر "أبي رقراق"، مستفيدين من موقعه الجغرافي المحمي من العوامل الطبيعية.
3. الازدهار والتعاقب الحضاري عبر المراحل الثلاث
تؤكد الحفريات والمعالم الأثرية أن النشاط الفينيقي وضع الأساس الأول للاستقرار البشري الدائم، مما مهد الطريق أمام الحقب اللاحقة:
المرحلة الفينيقية (القرن 6 ق.م): نشأة النواة التجارية الأولى وربط الموقع بالشبكة البحرية الأطلسية.
المرحلة الرومانية: بعد ان استوطن الرومان للموقع ، طوروه إلى مرفأ تجاري مزدهر تحت اسم *"سالا كولونيا" (Sala Colonia).
المرحلة الإسلامية: عُرفت المنطقة تاريخياً باسم "سلا"، واستمر الأمر كذلك إلى أن تأسست مدينة سلا الحالية على الضفة الأخرى لنهر أبي رقراق، ليصبح هذا الموقع الأثري التاريخي معروفاً ومشهوراً باسمه الحالي "شالة ".
طبيعة المبادلات وآلية "التجارة الصامتة"
اتسمت العلاقات التجارية بين الأمازيغ والفينيقيين بطبيعة قائمة على المنفعة المتبادلة والاحترام المشترك، وضمن خصائص محددة:
نوعية السلع المتبادلة:
الصادرات الفينيقية: قدم الفينيقيون منتجاتهم المصنعة الماهرة مثل الأواني الفخارية، الأسلحة البرونزية، المجوهرات الزجاجية، والأقمشة المصبوغة بالأرجوان.
الصادرات الأمازيغية: في المقابل، زودهم الأمازيغ بالمواد الأولية الثمينة مثل الذهب، العاج، جلود الحيوانات، وبعض المنتجات الزراعية الوفيرة.
أسلوب التبادل (التجارة الصامتة):
كانت العمليات التجارية تتم في كثير من الأحيان بأسلوب ذكي يُعرف بـ "التجارة الصامتة"؛ حيث يفرغ التجار الفينيقيون بضائعهم بانتظام على الشاطئ، ثم يعودون إلى متن سفنهم ويشعلون ناراً لإرسال إشارة دخانية. عندئذٍ، يخرج الأمازيغ ويضعون مقداراً من الذهب أو البضائع المحلية في مقابل تلك السلع، وتستمر هذه العملية صعوداً وهبوطاً حتى يرتضي الطرفان ويتفقا.
الآثار والاندماج الاجتماعي:
تحولت هذه (المراكز التجارية) تدريجياً من مجرد أسواق موسمية إلى مستوطنات واستقطبت استقراراً بشرياً دائماً. تسبب هذا في حدوث تبادل ثقافي واجتماعي عميق، حيث تأثرت القبائل الأمازيغية باللغة والتقنيات الفينيقية (والقرطاجية لاحقاً)،
مما جعل شالة حلقة الوصل الأولى والبارزة بين المغرب الأقصى وطرق التجارة المتوسطية.
٢٠٢٦/٦/١٠
التعليقات الأخيرة