news-details
منوعات

عذرٌ أقبح من ذنب.. كيف ترتد تصريحات أمير رمسيس بمكتسبات ذوي الهمم إلى عصور النبذ والإبادة؟ كتبت /منى منصور السيد

شهدت الأوساط الفكرية والإعلامية مؤخراً موجة عارمة من الاستياء والغضب، على خلفية التصريحات الصادمة التي أطلقها المخرج أمير رمسيس خلال استضافته في برنامج "الحكاية" مع الإعلامي عمرو أديب. ففي سياق حلقة خصصت لمناقشة قضية "كلاب الشوارع" والعبء الاقتصادي المرتبط بها، غاب التوفيق تماماً عن ضيف الحلقة، ليقع في سقطة فكرية وإنسانية مدوية، حين عقد تشبيهاً تاريخياً مجحفاً، مستدعياً سياسات الحقبة النازية في أربعينيات القرن الماضي، ومشيراً إلى مقترحات إبادة الأشخاص ذوي الإعاقة في أفران الغاز لضمان الاستقرار الاقتصادي للدولة، في مقارنة فجة وغير مسؤولة لا يمكن تصنيفها إلا تحت بند غياب الوعي والمسؤولية المجتمعية.
ولم يتأخر الرد الرسمي والمجتمعي الحاسم أمام هذا الطرح الصادم؛ إذ انتفض المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة معلناً استنكاره الشديد ورفضه الكامل لهذه التصريحات التي تمس الكرامة الإنسانية بشكل مباشر، مؤكداً عزمه اتخاذ كافة الإجراءات القانونية اللازمة للحماية والحفاظ على حقوق هذه الفئة الأصيلة من المجتمع. كما انعكس هذا الاستهجان داخلياً في الحلقة عبر الاعتراض الفوري للإعلامي عمرو أديب، وتوالت ردود الأفعال الغاضبة من الكتاب والمثقفين الذين اعتبروا هذا الزج غير مقبول جملة وتفصيلاً مهما كانت الخلفيات أو المقاصد.
وأمام هذه التداعيات المتسارعة، خرج المخرج أمير رمسيس ليوضح مقصده قائلاً: "كلامي اتفهم غلط، ولم أقصد الإهانة على الإطلاق. كنت أهدف إلى انتقاد فكرة التخلص من الكلاب بحجة العبء الاقتصادي، ومقارنة هذا الفكر المتطرف بما كان يفعله هتلر في الماضي، وبالتأكيد لم أكن أقصد الإساءة للأشخاص ذوي الإعاقة الذين نكن لهم كل الاحترام."
بيد أن هذا التبرير جاء ليجسد حرفياً مقولة "عذر أقبح من ذنب"؛ فهو مبرر مرفوض بالمرة ولا يستقيم أمام هول السقطة، إذ كيف يستسيغ عقل واجهة ثقافية استخدام مأساة إنسانية تاريخية كالعزل والإبادة، ووضعها في سياق مقارنة تفتقر إلى أدنى درجات الإدراك؟ إن محاولة التملص من المسؤولية بدعوى "الفهم الخاطئ" لا تمحو أثر الكلمات الجارحة، بل تكشف عن استخفاف عميق بالأبعاد النفسية والاجتماعية للفظ المنطوق.
إن هذا الطرح يثير تساؤلاً مستنكراً: أي عقل وأي قول هذا الذي يعيدنا إلى أدبيات العزل والإقصاء؟ ففي الوقت الذي خاضت فيه الدولة المصرية خطى واسعة، وحققت طفرة حقيقية غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة في مجال تمكين وحقوق ذوي الهمم، وترسيخ دمجهم كشركاء فاعلين في بناء الوطن؛ يأتي هذا المنطق المتراجع ليرتد بنا نحو عصور النبذ البائدة التي تجاوزها الوعي الإنساني والتشريعي. إن المكتسبات التي تحققت بفضل تضافر الجهود المجتمعية والسياسية أرفع بكثير من أن يتم المساس بها أو تسطيحها في نقاشات عابرة، ومسؤولية الكلمة تقتضي أن تكون المنصات الإعلامية صوتاً لتعزيز الكرامة الإنسانية، لا ساحة لاستدعاء أفكار الإبادة والتشبيهات المشينة تحت أي ذريعة.

 

عذرٌ أقبح من ذنب.. كيف ترتد تصريحات أمير رمسيس بمكتسبات ذوي الهمم إلى عصور النبذ والإبادة؟
كتبت /منى منصور السيد

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا