في عتمة التفاصيل المعقدة التي يفرضها اضطراب طيف التوحد، لا تبحث آلاف الأسر المصرية اليوم عن مجرد كلمات تعاطف عابرة، بل عن جسور حقيقية تعبر بأبنائها صوب الأمان؛ فالأمر ليس مجرد وعكة صحية تزول بالعقاقير، بل هو اضطراب نموي عصبي غامض ومعقد يؤثر بشكل مباشر على كيفية إدراك الشخص للعالم الخارجي وتفاعله مع المحيطين به، وتظهر علاماته مبكراً منذ عامه الثاني وتستمر كمرافق دائم طوال مسيرة الحياة، ويتسم هذا الاضطراب بتنوع هائل في صورته الإكلينيكية، حيث يختلف من حالة إلى أخرى بشكل جذري، مما يجعله طيفاً متسعاً يتراوح بين تحديات سلوكية حادة وصعوبات بالغة في التواصل اللفظي وغير اللفظي، إلى جانب نمطية السلوك واللزمات المتكررة التي تشكل عائقاً كبيراً بين الطفل والحياة اليومية الطبيعية.
إن الغوص في تفاصيل طيف التوحد يكشف عن حجم المعاناة الحقيقية، فهؤلاء الأطفال يعانون من تشتت حاد في الانتباه واندفاعية مستمرة تتطلب جلسات مكثفة في التخطيط الحركي السيكوموتر لضبط إيقاع الجسد، كما تواجه حواسهم المثيرات البيئية بطريقة مغايرة تماماً عبر خلل في التكامل الحسي، مما يجعل الأصوات العادية أو الإضاءة الطبيعية مصدراً للألم أو الاضطراب الشديد، فضلاً عن عدم اكتسابهم للغة بشكل تلقائي مما يستلزم جلسات تخاطب ونطق طويلة الأمد، ناهيك عن المشكلات العضوية المصاحبة التي تلازم الكثير منهم مثل الخلل الكهربائي في المخ، واضطراب فرط الحركة، وتحديات الجهاز الهضمي، هذا المسار التأهيلي المتكامل الشامل يضع الأسر أمام أعباء مادية ونفسية واجتماعية تفوق طاقة البشر، حيث تتراوح تكلفة الجلسة الواحدة بين مائتين وثلاثمائة جنيه، وهي جلسات تؤخذ بالتزامن وعلى مدار سنوات طويلة، مما يجعل البيوت تنهار بصمت تحت وطأة عبء مالي شرس لا طاقة للمواطن البسيط به.
وفي قلب هذا التحدي البالغ الصعوبة، برزت حملة ادعموا أطفال التوحد كحركة وعي حية ولدت من رحم المعاناة، وتأسست بجهود ذاتية ومسؤولية شجاعة من الأمهات، الأم نهى حسن والأم سونيا أحمد، لتعبر هذه الحملة عن لسان حال مليون طفل ومراهق وشاب من أصحاب هذا الطيف في مصر، والذين تمتد أسرهم لتمثل كتلة بشرية تقترب من خمسة ملايين مواطن يتجرعون الصعوبة ذاتها يومياً، ولم تقف الحملة بقيادة مؤسسيها عند حدود الشكوى، بل جاءت لتطالب بنفض الغبار عن التشريعات والقوانين التي تضمن حقوق ذوي الهمم وتفعيلها لتصبح واقعاً ملموساً يضمن لهؤلاء الأبطال نيل التدريب والتأهيل والتعليم المناسب، ويمنحهم الفرصة ليكونوا طاقة بشرية مضافة للمجتمع لا عبئاً ثقيلاً عليه.
ومن هنا، ترفع الحملة ومؤسسوها أملها الأكبر في مناشدة وطنية وأبوية عاجلة إلى فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، لتبني مشروع قومي متكامل لطيف التوحد يضمن تفعيل العلاج الحكومي المجاني الشامل عبر صروح طبية متخصصة ومستشفيات متعددة الفروع في مختلف المحافظات على غرار مستشفيات الأورام والحروق، مع رفع قيمة معاشات التكافل لتوائم التكلفة الفعلية للتأهيل الممتد، كما تتضمن المناشدة مطالب عملية ومبتكرة لوزارات التضامن، والشباب والرياضة، والثقافة، مثل إيجاد مراكز تأهيلية حكومية مدعومة تخلق منافسة عادلة تخفض الأسعار، واستغلال سنة الخدمة العامة لخريجي الجامعات وتدريبهم كمرافقين تربويين في المدارس، وإنشاء دور رعاية مجهزة ومستدامة تحتضن هؤلاء الأبطال في حال وفاة ذويهم لحمايتهم من غدر الزمان، فضلاً عن فتح قصور الثقافة ومراكز الشباب لتسويق إبداعاتهم ومنتجاتهم الحرفية بشكل دائم، مع التأكيد على المطلب الغالي لجميع الأسر بعودة احتفالية قادرون باختلاف السنوية التي كانت دائماً السند الأبوي والمنارة الإنسانية التي تضيء طريق الأمل وتطبطب على قلوب الأمهات.
مأساة المليون بطل صرخة أمهات التوحد على أعتاب الرئيس السيسي
كتبت /منى منصور السيد
التعليقات الأخيرة