news-details
نماذج مشرفة

ندى لبيب… حين تتحول قاعات القانون إلى ساحات للدفاع عن الإنسان وتكتب جامعة المنصورة فصلًا جديدًا من التألق الأكاديمي العربي

الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر 

في عالم القانون، هناك من يكتفي بحفظ النصوص وترديد المواد الجامدة، وهناك من يمنح القانون روحًا نابضة بالحياة، فيحوّل البحث العلمي إلى رسالة إنسانية قادرة على الدفاع عن المجتمع والأسرة والإنسان معًا، ومن بين هذه النماذج الراقية تبرز الدكتورة ندى لبيب بكلية الحقوق جامعة المنصورة، التي استطاعت أن تفرض حضورها الأكاديمي والفكري داخل واحد من أهم المؤتمرات القانونية العربية المتخصصة في قضايا الأسرة والمدونات الشرعية، لتؤكد أن الباحث الحقيقي لا يصنعه اللقب فقط، بل تصنعه الرؤية والوعي والقدرة على ملامسة القضايا الإنسانية بعمق ومسؤولية.


وجاءت مشاركة الدكتورة ندى لبيب في المؤتمر الدولي “المدونات الشرعية ودورها في تنظيم الأحكام القانونية للأسرة” لتكشف عن شخصية أكاديمية مختلفة، تمتلك الحس العلمي والوعي المجتمعي معًا، خاصة أن القضية التي تناولها بحثها تُعد من أكثر القضايا حساسية وأهمية داخل المجتمعات العربية، وهي حقوق المرأة والطفل ومدى فاعلية الحماية التشريعية والقضائية داخل منظومة الأحوال الشخصية، وهي القضية التي لا تتوقف عند حدود النصوص القانونية، بل تمتد لتلامس مصير الأسرة واستقرار المجتمع ومستقبل الأجيال القادمة.


ولم يكن البحث الذي قدمته مجرد دراسة تقليدية أو طرح نظري عابر، بل بدا وكأنه محاولة جادة لإعادة قراءة العلاقة بين القانون والواقع الإنساني، بين النصوص الجامدة والتحديات الحياتية اليومية التي تواجه النساء والأطفال داخل المجتمعات العربية، ولذلك حملت مشاركتها طابعًا فكريًا وإنسانيًا واضحًا، جعل حضورها داخل المؤتمر لافتًا ومختلفًا.



وراء هذه المشاركة كانت هناك رحلة طويلة من العمل والاجتهاد امتدت لأكثر من شهرين، وهي الفترة التي تكشف حجم الإصرار الحقيقي الذي تحمله الدكتورة ندى لبيب تجاه البحث العلمي، فالأبحاث القانونية الكبرى لا تُكتب على عجل، ولا تُبنى بالاجتهاد السريع، وإنما تحتاج إلى قراءة وتحليل وتدقيق وصبر طويل، وهو ما انعكس بوضوح على مستوى البحث الذي شاركت به وعلى القيمة العلمية التي حملها.


واللافت في حديثها عن هذه التجربة أنها لم تتعامل معها باعتبارها إنجازًا شخصيًا فقط، بل وصفتها بأنها رحلة علمية وإنسانية أثرت فيها وأضافت إليها الكثير من الخبرة والمعرفة، وهي النظرة التي تميز الأكاديميين الحقيقيين، أولئك الذين يرون في كل تجربة علمية بابًا جديدًا للنضج الفكري والإنساني وليس مجرد مناسبة عابرة.
وقد أُقيم المؤتمر وسط حضور أكاديمي وقضائي كبير، بمشاركة نخبة من الباحثين والمتخصصين في القانون وقضايا الأسرة، إلى جانب ممثلين عن المؤسسات القضائية والجهات المعنية بالشأن الأسري والاجتماعي، وهو ما منح الحدث أهمية خاصة، وجعله مساحة حقيقية للحوار القانوني والفكري حول مستقبل التشريعات الأسرية في العالم العربي.


وخلال جلسات المؤتمر، نوقشت قضايا شديدة العمق ترتبط بتنظيم العلاقات الأسرية ودور المدونات الشرعية في تحقيق الاستقرار الأسري والعدالة الاجتماعية، إضافة إلى بحث التأثيرات النفسية والاجتماعية والتعليمية للقضايا الأسرية على المجتمع، وهي الملفات التي أصبحت اليوم من أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات العربية في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة.


وفي وسط هذا الحضور العلمي الكبير، استطاعت الدكتورة ندى لبيب أن تقدم صورة مشرّفة للأكاديمية المصرية، وأن تعكس المستوى العلمي والفكري الذي تتمتع به كلية الحقوق جامعة المنصورة، تلك المؤسسة التعليمية التي طالما كانت واحدة من أهم القلاع القانونية والأكاديمية في مصر والعالم العربي.


ومن أهم اللحظات التي حملت قيمة خاصة في هذه التجربة، اعتماد البحث للنشر في مجلة العلوم القانونية، وهي الخطوة التي تُعد تقديرًا أكاديميًا كبيرًا لأي باحث، لأنها تعكس الثقة العلمية في قيمة البحث وأهمية ما يقدمه من أفكار ونتائج، كما تؤكد أن العمل الذي قُدم لم يكن مجرد مشاركة شكلية، بل دراسة تمتلك الجدية والعمق والاستحقاق الأكاديمي الحقيقي.



ولأن التجارب العلمية الكبرى لا تقتصر على قاعات المحاضرات فقط، فقد حملت كلمات الدكتورة ندى لبيب تجاه العراق وأهله بعدًا إنسانيًا مؤثرًا، حيث عبّرت عن تقديرها الكبير لما وجدته من رقي علمي وترحاب وتعاون أكاديمي يعكس قيمة المؤسسات التعليمية العراقية ومكانتها الكبيرة، وهي الكلمات التي كشفت كيف يمكن للعلم أن يبني جسورًا من الاحترام والتقدير بين الشعوب العربية.


كما حرصت على توجيه الشكر إلى القائمين على المؤتمر والأساتذة المشاركين، تقديرًا للجهد الكبير المبذول في تنظيم هذا الحدث العلمي المهم، وهي اللفتة التي تعكس شخصية أكاديمية تؤمن بقيمة العمل الجماعي وتحترم كل جهد يُبذل لخدمة العلم والبحث والمعرفة.


وربما تكمن القيمة الأعمق لهذه المشاركة في الرسالة التي تقدمها للأجيال الجديدة من طلاب القانون والباحثين الشباب، فالدكتورة ندى لبيب تقدم نموذجًا حقيقيًا للباحث الذي يدرك أن القانون ليس مجرد مهنة، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية، وأن الدفاع عن الأسرة وحقوق المرأة والطفل يبدأ أولًا من البحث الجاد والفكر الواعي والقدرة على طرح الأسئلة الصعبة بشجاعة وعلم.



إنها تجربة تؤكد أن الجامعات العربية ما زالت قادرة على إنتاج عقول تؤمن بالبحث الحقيقي، وأن قاعات القانون لا تزال تنجب شخصيات تحمل رسالة أعمق من مجرد التدريس أو الكتابة الأكاديمية، بل رسالة تقوم على حماية الإنسان وترسيخ العدالة وصناعة وعي قانوني أكثر نضجًا وإنسانية.


وبين قاعات البحث العلمي والنقاشات القانونية الثرية، استطاعت الدكتورة ندى لبيب أن تكتب اسمها بحضور أكاديمي راقٍ، وأن تثبت أن الباحث الحقيقي لا يترك أثره فقط في الأوراق العلمية، بل يتركه أيضًا في العقول والقلوب وكل مساحة تبحث عن العدالة والمعرفة والإنسان.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا