بين التحالفات والتهديدات كيف تدير مصر أخطر ملفات الجوار
بقلم: أزهار عبد الكريم
في منطقة لا تعرف الثبات يبدو أن السياسة أصبحت أشبه بالسير فوق حبل مشدود وسط حقل ألغام فخطوة واحدة خاطئة قد تشعل الإقليم بالكامل.
ولهذا لم يعد غريبا أن يرى المواطن العربي مشهداً يصفه بالتناقض
في عالم السياسة، لا تدار الدول بالعواطف ولا تبنى العلاقات الدولية على منطق . معي أو ضدي كما يتصور البعض بل تحكم المصالح والتوازنات والحسابات الدقيقة خاصة في منطقة شديدة الاضطراب كالشرق الأوسط.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يتردد بقوة داخل الشارع المصري مؤخراً
كيف ترسل مصر مفرزة مقاتلات لدعم الإمارات العربية المتحدة بينما تتحدث تقارير وتحليلات عن دعم إماراتي لـ إثيوبيا في ملف سد النهضة وكذلك مساندة قوات الدعم السريع في السودان؟
إذا كان الجيش يتحرك أحياناً خارج الحدود المصرية فى بعض الملفات الإقليمية فلماذا لم يحدث تدخل عسكري مباشر فى غزة ؟
وهل تمثل هذه التحركات تناقضا في السياسة المصرية أم أنها جزء من إدارة أكثر تعقيداً لملفات المنطقة؟
الحقيقة أن العلاقات الدولية نادراً ما تقوم على التوافق الكامل . ف السياسة ليست أبيض أو أسود . فحتى أقرب الحلفاء قد تجمعهم مصالح مشتركة في ملفات وخلافات حادة في ملفات أخرى.
ومصر بحكم موقعها وثقلها الإقليمي تتحرك داخل بيئة معقدة تتشابك فيها التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية بداية من اضطرابات الشرق الأوسط مروراً بأزمات البحر الأحمر وصولاً إلى التوترات في السودان والقرن الأفريقي.
وفي ظل هذا المشهد يصبح الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف القوى الإقليمية ضرورة استراتيجية حتى مع استمرار الخلافات حول بعض القضايا الحساسة.
عندما أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن “أمن الخليج خط أحمر” لم يكن ذلك مجرد تصريح دبلوماسي بل تعبيراً عن رؤية تعتبر أن استقرار المنطقة العربية مترابط بصورة مباشرة.
فأمن مصر يبدأ أحياناً خارج حدودها
فأي اضطراب واسع في الخليج قد ينعكس اقتصادياً وأمنياً على مصر سواء من خلال أسواق الطاقة أو حركة التجارة أو التوازنات الإقليمية وهو ما يفسر حرص القاهرة على إظهار دعمها لشركائها الخليجيين في أوقات التوتر.
ومن هذا المنطلق يمكن قراءة إرسال المقاتلات المصرية إلى الإمارات باعتباره رسالة دعم وردع وشراكة استراتيجية وليس بالضرورة توافقاً كاملاً في جميع الملفات.
الخلافات قائمة.. لكن الصدام ليس خياراً دائماً
في المقابل تدرك القاهرة حساسية ملف إثيوبيا بالنسبة للأمن القومي المصري باعتبار أن قضية المياه تمثل مسألة وجودية للدولة المصرية.
كما تنظر مصر بقلق إلى تطورات المشهد السوداني خاصة مع استمرار الصراع وتعاظم نفوذ قوات الدعم السريع لما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على أمن الحدود واستقرار المنطقة.
ورغم ذلك لا تتجه السياسة المصرية نحو الصدام العلني مع الإمارات انطلاقاً من قناعة بأن إدارة الخلافات تختلف عن تفجيرها.
تعتمد القاهرة في تعاملها مع هذه الملفات على سياسة “النفس الطويل” التي تقوم على احتواء الخلافات والحفاظ على التوازنات الإقليمية دون التخلي عن المصالح الأساسية للدولة.
فالتحرك في أكثر من جبهة صدام في وقت واحد قد يفرض أعباء سياسية واقتصادية وأمنية كبيرة وهو ما يدفع مصر إلى الفصل بين الملفات بحيث يتم التعامل مع كل قضية وفق أدواتها الخاصة.
فالخليج يرتبط بالشراكات والتحالفات الاستراتيجية بينما يدار ملف سد النهضة عبر التفاوض والتحرك الدبلوماسي والضغط الدولي في حين تركز القاهرة في السودان على حماية الحدود ودعم استقرار مؤسسات الدولة السودانية.
فالسياسة دائما هى فن الممكن
وقد تبدو الصورة للبعض متناقضة أو معقدة إلا أن الواقع الإقليمي يفرض على الدول الكبرى التعامل بقدر كبير من المرونة والحكمة
فالدول لا تتحرك بالشعارات وحدها بل وفق حسابات دقيقة تتعلق بالمصالح والأمن القومي وتوازنات القوى.
تدرك مصر أن الحفاظ على التحالفات الإقليمية لا يعني تجاهل الخلافات كما أن إدارة هذه الخلافات بهدوء قد تكون أحياناً أكثر فاعلية من الدخول في مواجهات مفتوحة تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي
المضطرب.
“جيش مصر للدفاع عن مصر”.
وهي عبارة تحمل الكثير من معاني الطمأنينة والثقة وتعكس طبيعة الجيش المصري كقوة هدفها الأساسي حماية الدولة وحدودها وليس الدخول في مغامرات أو صراعات عبثية.
لكن مع تطورات الأوضاع في المنطقة خاصة ما يحدث في قطاع غزة عاد سؤال يتردد بقوة داخل الشارع المصري
إذا كان الجيش يتحرك أحياناً خارج الحدود في بعض الملفات الإقليمية فلماذا لم يحدث تدخل عسكري مباشر في غزة؟
الإجابة هنا تحتاج إلى قراءة أوسع لطبيعة العقيدة العسكرية المصرية وفهم الفرق بين حماية الأمن القومي وبين الانخراط في حرب مفتوحة قد تمتد آثارها إلى المنطقة بأكملها.
فمفهوم “الدفاع عن مصر” لا يعني الانغلاق داخل الحدود فقط بل يشمل أيضاً التعامل مع أي تهديدات قد تقترب من الأمن القومي المصري حتى وإن كانت خارج الحدود الجغرافية للدولة.
ولهذا جاء تأكيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة أن “أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمن مصر” باعتبار أن استقرار المنطقة ينعكس بشكل مباشر على الداخل المصري سياسياً واقتصادياً وأمنياً.
أما فيما يتعلق بقطاع غزة فالمشهد يختلف بصورة كبيرة وتعقيداته تتجاوز الحسابات العاطفية أو الشعارات الحماسية.
بالنسبة للإمارات فهى دولة حليفة وذات سيادة و إرسال قوات هو بمثابة ردع و دعم وتحالفات استراتيجيه
بينما غزة فهى منطقة صراع
فالقطاع يعيش حالة صراع مباشر مع إسرائيل وأي تدخل عسكري مصري مباشر كان سيعني الدخول في مواجهة إقليمية واسعة تحمل تداعيات عسكرية واقتصادية وسياسية ضخمة ليس على مصر فقط بل على المنطقة بالكامل.
كما أن الدولة المصرية تنظر إلى الأمر من زاوية الحفاظ على استقرارها الداخلي وتجنب توسيع دائرة الحرب خاصة في ظل أوضاع إقليمية شديدة الحساسية وتحديات اقتصادية عالمية متشابكة.
ورغم غياب التدخل العسكري المباشر فإن الدور المصري في القضية الفلسطينية يظل حاضراً بقوة على عدة مستويات سواء عبر الوساطة السياسية بين الأطراف أو من خلال إدخال المساعدات الإنسانية عبر معبر رفح واستقبال المصابين للعلاج داخل المستشفيات المصرية فضلاً عن الجهود الدبلوماسية المستمرة لوقف إطلاق النار واحتواء التصعيد.
لكن إدارة الدول لا تقوم فقط على ردود الفعل العاطفية بل على حسابات دقيقة توازن بين دعم القضايا العربية والحفاظ على أمن واستقرار الدولة ومصالح شعبها.
فالرسالة الأوضح التي تحكم الموقف المصري هي أن حماية الوطن تظل أولوية لا تسبقها أولوية وأن الحكمة أحياناً تكون في تجنب اتساع دائرة النار لا في إشعالها.
التعليقات الأخيرة